كما عرفت ، مع شهادة بعضها لبعض ، والمثبت أولى من النافي ، ومنها أنها مشتملة على الزيادة ، وهي صفة الجهرية ، والمشتمل على الزيادة أرجح مما اشتمل على الأصل المزيد ، ومنها أن أنسا قد روي عنه خلاف ذلك كما قدمنا ، ومنها أن الدارقطني ( 1 ) أخرج عن أبي سلمة قال : سئلت أنس بن مالك : أكان رسول الله _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ يستفتح بالحمد لله رب العالمين ، أو بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال : إنك سألتني عن شيء ما أحفظه ، وما سألني عنه أحد من قبلك ، قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح ، وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر . انتهى .
فعلى هذا إن أنسا رضي الله عنه استند في النفي المذكور في حديثه إلى عدم الذكر ، وعروض النسيان له ، وإن كان بعض ألفاظ حديثه يأبى ذلك . ومنها أنه قد قيل : إن المشركين كانوا يحضرون المسجد ، فإذا قرأ رسول الله _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ وقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا : إنه يذكر رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة ( 2 ) ، فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم .
كذا قال القرطبي ( 3 ) ، وقد روى هذا الحديث الطبراني في الكبير ( 4 ) والأوسط ( 5 ) وقد قال في مجمع الزوائد ( 6 ) : إن رجاله موثقون ، وهذا جمع حسن ، ولكن لا يخفاك أن علة
هامش
( 1 ) في " السنن " ( 1 رقم 6 )
( 2 ) تقدمت ترجمته .
( 3 ) في تفسيره ( 1 ) .
( 4 ) ( 11 - 440 رقم 12245 ) .
( 5 ) ( 5 رقم 4756 ) .
( 6 ) ( 2 ) . قال القرطبي في " المفهم " ( 2 ) : اختلف الفقهاء في - ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة : فمن قال : هي من الفاتحة ، كالشافعي ، وأصحاب الرأي قرأها فيها . ومن لم ير ذلك ، كالجمهور ، فهل تقرأ في الصلاة أو لا ؟ وإذا قرئت ، فهل يجهرها مع الحمد أو يسر ؟ فمشهور مذهب مالك : أنه لا يقرؤها في الفرائض ، ويجوز له أن يقرأها في النوافل تمسكا بالحديث ، وعنه رواية أخرى : أنها تقرأ أول السورة في النوافل ، ولا تقرأ أول أم القرآن ، وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ، ولا تترك بحال ، وأما هل يجهر بها ؟ فالشافعي يجهر بها مع الجهر وأما الكوفيون فيسرونها على كل حال .
والصحيح أن البسملة ليست آية من القرآن ، إلافي النمل حاصة ، فإنها آية هناك مع ما قبلها بلا حلاف ، وأما في أوائل السورة ، وفي أول الفاتحة فليست كذلك ، لعد القطع بذلك ، ومن ادعى القطع في ذلك عورض بنقيض دعواه . وقد اتفقت الأمة على أنه لا يكفر نافي ذلك ولا مثبته .
وانظر : " المغني " ( 2 ) .