تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1975

مساهمون:

ص١٩٧٥
فقط ، وهذا واضح . قوله : وأما الثاني إلخ . أقول : قد عرف جوابه مما قدمنا ، وأما الكلام في عموم المقتضى وعدمه فالحق أنه يقدر بحسب الحاجة ، وبما يفيده الكلام الذي اقتضاه إما عمومًا ، وإما خصوصًا . قوله : وتلك الحجة هي الجملة الشرطية . أقول : ليست بشرطية ، بل خبرية ، لم يدخلها شيء من أدوات إنما المذكورة في الحديث ، هي سور لحصر الجملة الخبرية ، والجملة الشرطية ( 1 ) في الحديث هي قوله : فمن كانت ( 2 ) هجرته . . إلخ .
هامش
( 1 ) قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله . . . . " . قال الحافظ في " الفتح " ( 1 / 16 ) : قيل : الأصل تغاير الشرط والجزاء فلا يقال مثلا من أطاع أطاع وإنما يقال مثلا من أطاع نجا ، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين - فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتهه - فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر ، وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق ، ومن أمثلة قوله تعالى : { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } . [ الفرقان : 71 ] ، وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم أنت أنت أي الصديق ، أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب ، وقال بعض أهل العلم إن الشرط محذوف وتقديره : من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا فهجرته إلى الله حكمًا وشرعًا . وقيل : إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم ، وإما في التحقير . ( 2 ) لما ذكر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الأعمال بالنيات وأن حظ العامل من عمله بنيته من خير أو شر وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء " ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتهما واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات وكأنه يقول سائر الأعمال على حذو هذا المثال . ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة ، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك . فالأول تاجر والثاني خاطب ، وليس واحد منهما بمهاجر شرعًا ، وفي قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إلى ما هاجر إليه تحقير لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به حيث لم يذكره باسمه الظاهر الصريح . وأيضًا لما كانت الهجرة إلى الله ورسوله واحدة لا تعدد فيها اتحد الجواب فيها بلفظ الشرط - فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته . . . " . ولما كانت الهجرة من الأمور الدنيا لا تنحصر فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة ، ومحرمة تارة ، وإفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر لذلك قال : فهجرته إلى ما هاجر إليه يعني كائنًا ما كان . انظر : " فتح الباري " ( 1 / 14 ) .