تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1800

مساهمون:

ص١٨٠٠
من هذه الأحاديث وغيرها متضمنا لذم الدنيا والتنفير منها ففيه دليل على أنها لا تكون محلا للمحبة ، وأن حبها وهي بهذه المثابة وسيلة للخطيئة ، وما كان منها متضمنا لمدحها أو إباحة الانتفاع بها فهو مقيد يفيد مسوغ للتناول ، وليس فيه ما يفيد أنها محل للمحبة . وبالجملة فالأدلة الواردة في ذم البخل كتابا ( 1 ) وسنة ( 2 ) تدل على صحة معنى هذا
هامش
( 1 ) منها : قول الله عز وجل : ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ) [ محمد : 38 ] . ومنها قول الله عز وجل : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) [ آل عمران : 180 ] . ومنها قول الله عز وجل : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) [ الحديد : 24 ] . ( 2 ) منها ما أخرجه أبو داود رقم ( 1698 ) ، وأحمد ( 2 / 160 ، 195 ) ، والحاكم ( 1 / 415 ) ، وصححه ووافقه الذهبي ، عن عبد الله بن عمرو قال : خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : " إياكم والشح ، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح ، أمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا " ، وهو حديث صحيح . ومنها ما أخرجه البخاري رقم ( 6638 ) ، ومسلم رقم ( 30 / 990 ) من حديث أبي ذر قال : انتهيت إليه وهو يقول في ظل الكعبة : " هم الأخسرون ورب الكعبة ، هم الأخسرون ورب الكعبة ، قلت : ما شأني ؟ أيرى في شيء ؟ ما شأني ؟ فجلست إليه وهو يقول فما استطعت أن أسكت ، وتغشاني ما شاء الله ، فقلت : من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال : الأكثرون أموالا ، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا " . ومنها ما أخرجه البخاري رقم ( 1407 ) ، ومسلم رقم ( 992 ) : حدثنا أبو العلاء بن الشخير أن الأحنف بن قيس حدثهم قال : جلست إلى ملأ من قريش ، فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة ، حتى قام عليهم فسلم ثم قال : " بشر الكانزين برصف يحمى عليه في نار جهنم ، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفه ، ويوضع على نفض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه ، يتزلزل ، ثم ولى فجلس إلى سارية ، وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو ؟ فقلت له : لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت ، قال : إنهم لا يعقلون شيئا ، قال لي خليلي ، قال : قلت : من خليلك ؟ قال : النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا أبا ذر أتبصر أحدا ؟ " قال : فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار وأنا أرى أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرسلني في حاجة له ، قلت : نعم ، قال : " ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير " ، وإن هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون الدنيا ، لا والله ، لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله . ومنها ما أخرجه مسلم رقم ( 3 / 2958 ) ، والترمذي رقم ( 3354 ) ، والنسائي ( 6 / 238 ) ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقرأ : " ألهاكم التكاثر " قال : " يقول ابن آدم : مالي مالي ، ( قال : ) وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ؟ " ومنها ما أخرجه مسلم رقم ( 5 / 2959 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " يقول العبد : مالي مالي ، إنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو أعطى فاقتنى ، وما هو سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس " . قوله : ( ألهاكم التكاثر ) [ التكاثر : 1 ] يعني : شغلكم الإكثار من الدنيا ومن الالتفات إليها عما هو الأولى بكم من الاستعداد للآخرة ، وهذا الخطاب للجمهور ؛ إذ جنس الإنسان على ذلك مفطور ، كما قال تعالى : ( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ) [ القيامة : 20 - 21 ] ، وكما قال تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين . . . . ) [ آل عمران : 14 ] . وقوله : " يقول ابن آدم : مالي مالي " : أي يغتر بنسبة المال إليه وكونه في يديه ، حتى ربما يعجب به ويفخر به ، ولعله ممن تعب هو في جمعه ، ويصل غيره إلى نفعه ، ثم أخبر بالأوجه التي ينتفع بالمال فيها ، وافتتح الكلام ب‍ ( إنما ) التي هي للتحقيق والحصر فقال : " إنما له من ماله ثلاث " . وقوله : " أو أعطى فاقتنى " أي أعطى الصدقة فاقتنى الثواب لنفسه كما قال في الرواية الأخرى : " أو تصدقت فأمضيت " ، وقد رواه ابن ماهان : " فأقنى " بمعنى : أكسب غيره كما قال تعالى ( أغنى وأقنى ) [ النجم : 48 ] " المفهم " ( 7 / 110 - 112 ) .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1800 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق