تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1802

مساهمون:

ص١٨٠٢
الحديث المسؤول عنه ؛ لأن البخل بمتاع الحياة الدنيا لا تكون إلا من محب لها ، متهالك عليها ، وهكذا الأدلة الدالة على ذم التكاثر والجمع والكنز والمنع لما يجب [ 2 ب ] في المال ، فإنها تفيد صحة معنى الحديث المسؤول عنه ؛ لأن كل ذلك لا يصدر إلا من محب للدنيا ، وهكذا الأدلة الواردة في الترغيب في الزهد ( 1 ) ، والترهيب من مقابله هي تفيد هذا
هامش
( 1 ) منها ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 125 / 1054 ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " . ( منها ) ما أخرجه البخاري رقم ( 6460 ) ، ومسلم رقم ( 126 / 1055 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم ارزق آل محمد قوتا " . قوتا : ما يقوت الأبدان ويكف عن الحاجة والفاقة ، وهذا الحديث حجة لمن قال : إن الكفاف - كما جاء في رواية أخرى - أفضل من الغنى والفقر ، ووجه التمسك بهذا الحديث أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال ، وأيضا فإن الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر ، فإن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير ؛ إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ، ولا في زهرتها ، فكانت حاله إلى الفقر أقرب ، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر ، وكفي مرارته وآفاته . انظر : " المفهم " ( 7 / 130 - 132 ) . ومنها ما أخرجه مسلم رقم ( 55 / 2858 ) عن المستورد أخي بني فهر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليم ، فلينظر بم يرجع ؟ " . قال القرطبي في " المفهم " ( 7 / 125 - 126 ) : وهذا مثل لحقارة الدنيا وقلتها ، وهو نحو قوله تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل ) [ النساء : 77 ] ، أي : كل شيء يتمتع به في الدنيا من أولها إلى آخرها قليل ؛ إذ لا بقاء ولا صفو فيه ، وهذا بالنسبة إلى نفسها ، وأما بالنسبة إلى الآخرة فلا خطر ولا قدر للدنيا ، وهذا هو المقصود بتمثيل هذا الحديث حيث قال : " فلينظر بماذا يرجع ؟ " ، ووجه هذا التمثيل أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر ، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة . ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2 / 2957 ) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بالسوق داخلا من بعض العالية ، والناس كنفته ، فمر بجدي ، أسك ميت ، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال : " أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ " فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : " أتحبون أنه لكم ؟ " قالوا : والله لو كان حيا كان عيبا فيه ؛ لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ فقال : فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " . جدي أسك : أصل السك : ضيق الصماخ ، وقال الهروي في غريب الحديث ( 4 / 160 ) : الاستكاك : الصم ، استكت أسماعهم : صموا ، وقال ثابت : السك : صغر الأذن مع لصوقها وقلة إشرافها . قال القرطبي في " المفهم " ( 7 / 108 ) : وقوله : " والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " الدنيا : وزنها ( فعلى ) وألفها للتأنيث ، وهي الدنو بمعنى القرب ، وهي صفة لموصوف محذوف ، كما قال تعالى : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) [ آل عمران : 185 ] ، غير أنه قد كثر استعمالها استعمال الأسماء ، فاستغني عن موصوفها كما جاء في هذا الحديث . والمراد : الدار الدنيا أو الحياة الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى أو الحياة الأخرى ، ومعنى هوان الدنيا على الله : أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسها ، بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه ، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء ، وإنما جعلها دار رحلة وبلاء ، وأنه ملكها في الغالب الكفرة والجهال ، وحماها الأنبياء والأولياء . . . وقد أوضح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا المعنى فقال : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء " - أخرجه ابن ماجة رقم 4110 - ، وحسبك بها هوانا أن الله قد صغرها وحقرها وذمها وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها ، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها . ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 1465 ) ، ومسلم في صحيحه رقم ( 123 / 1052 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : جلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر وجلسنا حوله ، فقال : " إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها " . من دلائل الزهد ومعناه : 1 - أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه ، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته ، وقال الفضيل بن عياض : " أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل " ، أخرجه البيهقي في " الزهد " رقم ( 78 ) . 2 - أن يكون العبد إذا أصيب في دنياه من ذهاب مال أو ولد أو غير ذلك أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له . وقد روي عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول في دعائه : " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا " . أخرجه الترمذي رقم ( 3502 ) ، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " رقم ( 446 ) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " رقم ( 401 ) ، والحاكم في " المستدرك " ( 1 / 528 ) ، وقال : حديث صحيح على شرط البخاري ، ووافقه الذهبي ، وهو حديث حسن . 3 - أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق ، وهذه من علامات الزهد في الدنيا واحتقارها ، وقلة الرغبة فيها ، قال إبراهيم بن أدهم : " الزهد ثلاثة أصناف : زهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فأما الزهد الفرض فالزهد في الحرام ، والزهد الفضل الزهد في الحلال ، والزهد السلامة الزهد في الشبهات " .