تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1747

مساهمون:

ص١٧٤٧
يصدق عليه أنه حديث نفس ، كائنًا ما كان سواء استقر في النفس وطال الحديث لهابه أو قصر ، وسواء بقي زمنًا كثيرًا أو قليلًا ، وسواء مر على النفس مرورًا سريعًا أو تراخى فيها ، فالكل [ 1 ب ] مما غفره الله لهذه الأمة وشرفها به وخصها برفع الحرج فيه ، دون سائر الأمم ، فإنها كانت مخاطبة بذلك مأخوذة به ، ولا يقال : كيف خوطبت الأمم المتقدمة بمجرد الخواطر التي تمر بأنفسهم من حديث النفس مع كون ذلك من تكليف ما لا يطاق ، ولا تقدر على دفعه الطبائع البشرية ؟ لأنا نقول : { ويفعل الله ما يشاء } ( 1 ) ، و { يحكم ما يريد } ( 2 ) ، { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ( 3 ) . فظهر لك بهذا أن كل ما يصدق عليه حديث النفس ، فهو مغفور ، عفو ، متجاوز عنه ، كائنًا ما كان على أي صفة كان ، فلا يقع به ردة ، ولا يكتب به ذنب ، ولا تبطل به عبادة ، ولا يصح به طلاق ، ولا عتاق ( 4 ) ولا شيء من العقوبة ، كائنا من كان ، فإن
هامش
( 1 ) [ إبراهيم : 27 ] . ( 2 ) [ المائدة : 1 ] . ( 3 ) [ الأنبياء : 23 ] . ( 4 ) قال ابن القيم في " زاد المعاد " ( 5 / 184 - 185 ) : أنا ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق ، أو يمين ، أو نذر ونحو ذلك ، عفو غير لازم بالنية والقصد ، وهذا قول الجمهور . وفي المسألة قولان : أحدهما : التوقف فيها ، قال عبد الرزاق عن معمر . سئل ابن سيرين عمن طلق في نفسه ، فقال : أليس قد علم الله ما في نفسك ؟ قال : بلى ، قال : فلا أقول فيها شيئًا . الثاني : وقوعه إذا جزم عليه ، وهذا رواية أشهب عن مالك ، وروي عن الزهري . وحجة هذا القول قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنما الأعمال بالنيات " ، وأن من كفر في نفسه ، فهو كفر ، وقوله تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به } [ البقرة : 284 ] ، وأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها ، وبأن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ، ولهذا يثاب على الحب والبغض ، والموالاة والمعاداة في الله ، وعلى التوكل والرضى ، والعزم على الطاعة ، ويعاقب على الكبر والحسد ، والعجب والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء . قال ابن القيم : ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ ، أما حديث : " الأعمال بالنيات " فهو حجة عليهم ، لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر ، لا النية وحدها ، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك ، فهو كافر بزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الإقرار ، فإذا زال العقد الجازم ، كان نفس زواله كفرًا ، فإن الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب ، فما لم يقم بالقلب حصل ضده وهو الكفر ، وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم ، حصل الجهل ، وكذلك كل نقيضين زال أحدهما خلفه الآخر . وأما الآية فليس فيها أن المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع ، وإنما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه ، ثم هو مغفور له أو معذب ، فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية ، وأما أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ ، فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية ، ثم أصر عليها ، فهنا عمل اتصل به العزم على معاودته ، فهذا هو المصر ، وأما من عزم على المعصية ولم يعملها ، فهو بين أمرين إما أن لا تكتب عليه ، وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل ، وإما الثواب والعقاب على أعمال القلوب فحق ، والقرآن والسنة مملوآن به . ولكن وقوع الطلاق والعتاق بالنية من غير تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب ، ولا تلازم بين الأمرين ، فإن من يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاصي قلبية يستحق العقوبة عليها ، كما يستحقه على المعاصي البدنية ، إذ هي منافية لعبودية القلب ، فإن الكبر والعجب والرياء وظن السوء محرمات على القلب . وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها فيستحق العقوبة على فعلها ، وهي أسماء لمعان مسمياتها قائمة بالقلب .