تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1750

مساهمون:

ص١٧٥٠
الملائكة ( 1 ) رب ! ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال : ارقبوه : فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، إنما تركها من جراي ( 2 ) - أي من أجلي - وألفاظ الأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية ، فإن قوله : « لا وإن هم بسيئة فلم يعملها » يدل على أن كل ما هم به الإنسان - أي هم كان - سواء كان حديث نفس أو عزم أو إرادة أو نية لا يؤاخذ به حتى يعمله ، كما يدل على ذلك إطلاق السيئة وعدم تقييدها . وكما يفيده جعل العمل مقابلًا للهم ، فإنه يدل على أنه إذا لم يعمل بالسيئة ، فهو من قسم الهم ( 3 ) .
هامش
( 1 ) قال الحافظ : في " الفتح " ( 11 / 325 ) : " فيه دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إما باطلاع الله إياه أو يخلق له علمًا يدرك به ذلك ، وقيل بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة ، وبالحسنة رائحة طيبة . وقال ابن تيمية في " الفتاوى " ( 4 / 253 ) : أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما في نفس العبد كيف شاء كما هو قادر على أن يطلع بعض البشر على ما في الإنسان . ثم قال : وقد قيل في قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } أن المراد به الملائكة : والله قد جعل الملائكة تلقي في نفس العبد الخواطر ، كما قال عبد الله بن مسعود : " إن للملك لمة وللشيطان لمة ، فلمة الملك تصديق بالحق ووعد بالخير ، ولمة الشيطان تكذيب بالحق وإيعاد بالشر " . وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة ، وقرينه من الجن ، قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وأنا ، إلا أن الله قد أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير " . ( 2 ) جراي : بتشديد الراء وفتح الياء ، وفيه لغة أخر بالمد أي " جرائي " من " أجلي " . انظر : " تاج العروس " ( 1 / 72 ) القاموس المحيط ( ص 1749 - 1650 ) . ( 3 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 11 / 325 ) : قال المازري : ذهب ابن الباقلاني يعني ومن تبعه إلى أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه أنه يأثم ، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب ولا يستقر . قال المازري : وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، ونقل ذلك نص الشافعي . ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم من طريق همام عنه بلفظ " فأنا أغفرها له ما لم يعملها " . فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم به . وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب . لكنهم قالوا : إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التي هم أن يعملها ، كمن يأمر بتحصيل معصية ، ثم لا يفعلها بعد حصولها ، فإنه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية . . . وهنا قسم آخر وهو من فعل المعصية ولم يتب ثم هم أن يعود إليها فإنه يعاقب على الإصرار كما جزم ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى : { ولم يصروا على ما فعلوا } ويؤيد أن الإصرار معصية اتفاقًا ، فمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة ، فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية . قال النووي : وهذا ظاهر حسن لا مزيد عليه ، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } وقوله : { اجتنبوا كثيرًا من الظن } وغير ذلك .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1750 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق