الإقامة بالبرلس لأستريح من شُبهة ماء النّيل الجاري في الخليج . فإذا أكثر عَيْش أهلها السّمك ، وهو بضمان . فقلت : شبهة ماء النّيل أخفّ . وكان يستحسن طريقة سَلْمان الفارسي ، ويحصل قوت كل سنة ، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستعد من خيبر قُوت عياله سنة . وله في ورعه حكايات ، ذكرها المؤلف منها أنّ بعضهم رآه يحصد في بُستانه ، ويترك أماكن ، فسأل الشّيخ ، وألحَّ عليه فقال : إنّ ظلال نخيل الجار السّاعة ممتدّة ، وأنا أتحرّى أن لا أستظل بظله . فإذا زال الظّل حصدتها ، وكان إذا انفلتت له دجاجةٌ إلى الطّريق تركها بالكُلّيّة ، لأنّه يجوِّز أن تكون التَقَطَتْ شيئًا ، وكان يشترط على الفرنج فيما يشتريه منهم من الحيوان أنْ لا يكون قد شرب من ماء الثَّغْر ، ويحلّفهم ، وأن لا يكون مشتركًا ولا غصْبًا . ومهما لاحت له شُبهة تركه ، وكانوا يتنافسون في معاملته ويغتبطون ، وقال : خرج رسولهم إليَّ مع الوالي ، فأردتُ أن يعلم الحال فقلت للتُّرْجُمان : أَعْلِمه أنّني ما أعاملهم إلّا لأنّهم عندنا غير مخاطبين بالحلال والحرام ، فهم كالبهائم ، وأمّا المسلمون فإنّهم قاموا بالوظيفة العُظْمى ، فخوطبوا بالحلال والحرام . فالمسلمون هُمُ النّاس . فأنا كمختار السّياحة بين الوحوش ، ومزاحمتها في أرزاقها . وما ذاك لفضل الوحوش على الإنس ، بل لطلب السّلامة .
وكان يقول : لا ينالني من مصر إلّا الماء ، وليته كان صافيًا . يُشير إلى ما يُنفق في عمل الخليج .
وكان يقول : من ادَّعى أنّ المحسن والمسيء يستويان فقد ادَّعى عظيمًا ، وقال : لولا الطّباع لكان المحسن هو المسئ والمسيء هو المحسن .
وبعث إليه الملك العادل ألف دينار فشدّد في النُّفور والنَّكير .
وحجّ مرّةً إلى دمشق على حمار ، ومنها إلى مكّة على جَمَل . وتزوَّد إلى دمشق خرج خرنوب ، ونزل بظاهرها على حافّة النّهر ، قال : ونفد منّي الخرنوب فسألت فإذا كلّ ما بدمشق مضمّنًا حتّى الملح ، فدُلِلت على حوارنة يجلبون تينًا يابسًا ، فجلب لي رجل خرجًا من تين فكان زادي إلى المدينة
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 78
مساهمون: الذهبي
ص٧٨