تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
حاجة لي فيه . وكنتُ بمكّة شابًّا ، وإلى جانبي جُنْديّ ، فلمّا كان اللّيل سمعته يقدح ، وبيننا كُوة ، فأغمضت عينيّ ليلتي كلَّها . وكان يقول : الدّنيا دارُ أسبابٍ ، من زعم أنّ التّوكُّل إسقاط السبب بالكلية فهو غالط . وقال : قال لي صُوفيّ : نحن ما نرى الأسباب ، فقلت له : ما صدقت لو صفع الأبعدَ إنسانٌ أكُنتَ لا تراه البتَّة ولا يؤثّر فعله فيكَ ؟ فسَكت ، فقال : أمّا أنا فأرى الأسباب لكنّ ما أقف عندها . خرج إلى الشّيخ وزير والسّاقية تدور بالدّولاب ، فأراد أن يبسط المجلس فقال : يا سيّدي أيْش ترى في بغلتي ندوّرها في السّاقية ؟ فقال له : ولا أنت ما أرى أن أدوَّرك فيها . فانبسط الرّجل ؛ ثمّ قال الشّيخ على عادته : ارحلوا . فقال الوزير : لماذا تطردنا ؟ قال : لأنّ القعود معكم ضَياع . وخرج إليه أكابر فقال ، واحدٌ منهم : هذا طبيب السّلطان ، يعني الكامل ، فقال الطّبيب : ما نحن أطبّاء بل نحن أعِلاء ، إنّما الأطبّاء الأولياء . قال الشّيخ : وأشار إليَّ . فلم أقِره فقلت : اعلم أنّ مثل المشار إليه بالولاية كمثل الطّبيب ، كم علَّل من عليلٍ فما أفاد . أما داويتَ أحدًا فمات ، ولم ينجع فيه الدّواء ؟ فقال : كثير . فقلت : وكذا الجانب الآخر . وكان يرى أنّ ترك التّسبُّب والاعتماد على الفُتُوح غلط ، ويقول : انتقل من سببٍ نظيفٍ إلى سببٍ وسخ . وذلك لأنّ الاحتراف سببٌ شرعيّ ، والكديّة سببٌ مذموم ، وليته يبسط يده خاصّة ، ولكنّه يقول : أنا صالح فأعطوني . ترى ماذا يبيعهم إنْ باعهم عمله فبَيْع الدِّين بالدّنيا كبيع الثّمرة قبل بُدُوّ صلاحها ، لعلّه عند الخاتمة يُوجد مفلِسًا ، فالحبْس أَوْلَى به . وصدق الشّيخ ، قال بعض المشايخ : من قعد في خانقاه فقد سأل ، ومن لبس مرقعة ً فقد سأل ، ومن بسط سَجَّادةً فقد سأل . وقال : هممت بمكّة بالتَّجَرُّد وبَيْع الأملاك وإنفاقها ، ثم التحول إلى الشام ، والاقتناع بمباح الجبال ، فسألت فصحَّ عندي أنّه ليس في الجبال ما يقيم البنْيَة دائمًا ، فقلت : ما بيدي أنظف من الحاجة إلى النّاس . أردتُ أنّ أعيش فقيرًا ذليلًا ، وأراد الله لي أنْ أعيش غنيًّا عزيزًا ، فله الحمد . وعزمتُ على
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 77 | الذهبي / بشار عوّاد معروف