مِنْ أَكْبَرِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّهَا , وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ , وَهُوَ قَدْ فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فَرْضًا حَتْمًا فِي تَنْزِيلِهِ , ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ » . وَقَالَ فِي ثَوَابِهِ وَحَطِّهِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ , مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , أَفَيَتَوَهَّمُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَنَالَ نَائِلٌ كُلَّ هَذِهِ الْفَضَائِلِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ وَلَا تَعَمُّدٍ لِلْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , كَالرَّجُلِ يُولَعُ بِالْمَاءِ عَابِثًا أَوْ مُتَلَذِّذًا ، أَوْ كَالرَّجُلِ يَدْخُلُهُ سَابِحًا أَوْ مُتَبَرِّدًا , لَا يَخْطُرُ لَهُ التَّطَهُّرُ بِبَالٍ وَلَا يُجْزِئُ مِنْهُ عَلَى ذِكْرٍ , ثُمَّ يَكُونُ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ الْجَزِيلُ , وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لِفَرْضِهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ , هَذَا مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ , وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَرِطُ فِيهِ , وَيَقُولُ : « مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا » أَفَتَرَى هَذَا اللَّاعِبَ بِالْمَاءِ وَالْمُتَلَهِيَ بِهِ مُتَوَضِّئًا كَمَا أُمِرَ ، وَبَالِغًا شَرْطَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَصِيرَ هُوَ الْمُتَحَرِّي لِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرهِ بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ سِيَّانٌ . فَأَمَّا مَا احْتَجَّ الْآخَرُونَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ , فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ وُجُوهٌ , سَتَأْتِي بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . أَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا : « إِنَّ مَا مَسَّهُ الْمَاءُ مِنَ الْجَسَدِ فَقَدْ طَهُرَ » . فَلَيْسَ هَذَا مِنْ هَذَا , وَلَا هَذَا مِنْهُ , إِنَّمَا ذَلِكَ فِي تَفْرِيقِ الْغُسْلِ , نَقُولُ : إِذَا غَسَلَ الرَّجُلُ بَعْضَ جَسَدِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى يَجِفَّ بَقِيَّتُهُ , وَلَمْ يُعِدِ الْمَاءَ عَلَى الْأَوَّلِ , وَلَمْ يُخْبِرْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى غَيْرِ إِرَادَةٍ لِلْغُسْلِ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا قِيلَ لَهُ : قَدْ فَرَّقَ غُسْلَهُ , إِنَّمَا التَّفْرِيقُ فِي الشَّيْءِ : أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى إِرَادَةٍ وَعَمْدٍ , لَا عَلَى الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْمَاءَ هُوَ الطَّهُورُ , وَمَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى نِيَّةٍ , فَإِنَّهُ يُقَالَ لَهُمْ : فَكَذَلِكَ الصَّعِيدُ النَّظِيفُ قَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا , فَأَيُّ طَهُورٍ تَكُونُ بَعْدَ
الطهور — صفحة 204
مساهمون: مشهور حسن محمود سلمان
ص٢٠٤