تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 865

مساهمون:

ص٨٦٥
كَانَ القائم بتدبير دولة أستاذه وأعطاه الإمرية ، فلمّا تُوُفّي نور الدين قام بتدبير ولده السّلطان الملك القاهر عزّ الدّين مسعود ابن نور الدّين ، فلمّا توفّي سنة خمس عشرة أقام بدر الدين أخوين صبيين وَلَدي القاهر ، وهما ابنا بِنْت مظفَّر الدين صاحب إربل ، واحدًا بعد واحد . ثُمَّ استبد بملك الموْصل أربعين سنة ، والأصح أَنَّهُ تسلطن في أواخر رمضان سنة ثلاثين وستمائة . وكان حازمًا شجاعًا ، مدبرًا ، ذا حزم ورأي ، وَفِيهِ كَرَم وسُؤْدُد وتجمُّل ، وله هيبة وسطْوة وسياسة . كَانَ يغْرم عَلَى القُصّاد أموالًا وافرة ، ويحترز ويداري الخليفة مِنْ وجهٍ ، والتّتار مِنْ وجهٍ ، وملوك الأطراف مِنْ وجهٍ ، فلم ينخرم نظام مُلْكه ، ولم تطْرُقه آفةٌ . وكان مَعَ ظُلمه وجوده محبَّباً إلى رعيَّته لأنه كَانَ يعاملهم بالرّغْبة والرَّهبة . ذكره الشَّيْخ قطْبُ الدين فقال : كَانَ ملكًا جليل القدْر ، عالي الهمة ، عظيم السَّطْوة والسياسة ، قاهرًا لأمرائه . قُتِل وشنق وقطع ما لَا نهاية لَهُ حتى هذَّب البلاد . ومع هذا فكان محبوبًا إلى رعيته ، يحلفون بحياته ، ويتغالون فيه ، ويلقبونه قضيب الذهَب . وكان كثير البحث عَنْ أخبار رعيته ، تُوُفّي فِي عشْر التسعين وفي وجهه النضارة ، وقامتُه حسنَة ، يخيَّل إلى مِنْ يراه أَنَّهُ كهل . قلت : ولما رَأَى أن جاره مظفَّر الدين صاحب إربل يتغالى فِي أمر المولد النّبويّ ويغْرم عَلَيْهِ فِي العام أموالًا عظيمة ، ويُظْهر الفَرَح والزينة ، عمد هُوَ إلى يوم فِي السَّنَة ، وهو عيد الشعانين الَّذِي للنصارى ، لعنهم الله ، فعمل فيه مِن اللهو والخمور والمغاني ما يضاهي المولد ، فكان يمد سِماطاً طويلًا إلى الغاية بظاهر البلد ، ويجمع مغاني البلاد ، ويكون السّماط خونْجاً وباطيةَ خمرٍ عَلَى هذا الترتيب ، ويحضره خلائق ، وينثر عَلَى النّاس الذهب مِن القلعة ، يسفي الذهب بالصينية الذَّهَب ، ويرميه عليهم ، وهم يقتتلون ويتخاطفون الدنانير الخفيفة ، ثُمَّ يعمد إلى الصّينيّة في الآخر فتقصّ لَهُ بالكازن مِنْ أقطارها إلى المركز ، وتخلي معلَّقةً بحيث أَنَّهُ إذا تجاذبوها طلع فِي يد كل واحدٍ منها قطعة . فحدثونا أَنَّهُ كَانَ بالموصل رجلٌ يقال لَهُ عثمان القصاب ، كَانَ طُوالاً ضخْماً ، شديد الأيْد والبطْش ، بحيث أنّه جاء إلى مخاضةٍ ومعه خمس شِياه ليدخل البلد ويقصبها ، فأخذ تحت ذا الإبط رأسين ، وتحت الإبط الآخر رأسين ، وفيه فمه رأسًا ، وخاض الماء بهم إلى الناحية الأخرى . فإذا رمى