تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 937

مساهمون:

ص٩٣٧
جارين في قم ، ومتصاحبين هناك . ولَمّا مات أبو طالب بن زبادة كاتب الإنشاء ، رتب القمّي مكانه في سنة أربع وتسعين وخمسمائة ، ولم يغير هيئة القميص والشربوش على قاعدة العجم . ثمّ ناب أبو البدر بن أمسينا في الوزارة وعزل في سَنَةِ ستٍّ وستّمائة ، فرُدَّت النِّيابةُ وأمورُ الدّيوان إلى القمّي ، ونُقِل إلى دار الوزارة ، وحضر عنده الدَّولة ، ولم يزل في عُلُوٍّ من شأنه وقربٍ وارتفاع ، حَتّى أنّ النّاصر لدين الله كتبَ بخطّه ما قرئ في مجلس عام : " مُحَمَّد بن محمد القمّي نائبُنا في البلاد والعِباد ، فمن أطاعه فقد أطاعنا ، ومن أطاعنا فقد أطاعَ الله ، ومن عَصاه فقد عصانا ، ومن عصانا فقد عَصى الله " . ولم يزل إلى أنّ وَلِيَ الظاهرُ بأمر الله ، فأَقَرَّهُ على وِلايته ، وزادَ في مرتبته ، وكذلك المستنصر بالله قرَّبَهُ ورفع قَدْرَه وحكَّمَهُ في العِباد . ولم يزل في ارتقاء إلى أن كبا به جوادُ سَعْده ، فعُزِلَ ، وسُجِنَ بدار الخلافة وخبت نارُه ، وذهبت آثارُه ، وانقطعت عن الخلق أخبارُه . قال : وكان كاتبًا سديدًا بليغًا وحيدًا ، فاضلًا ، أديبًا ، عاقلًا ، لبيبًا ، كاملَ المعرفة بالإِنشاء ، مقتدرًا على الارتجال ، متصرِّفًا في الكلام ، متمكَّنًا من أدوات الكتابة ، حُلْوَ الألفاظ ، مَتينَ العِبارة ، يكتُب بالعربيّ والعَجميّ كيف أراد ، ويحلّ التراجم المغلقة . وكان متمكّنًا من السياسة وتدبير الممالك ، مهيبًا ، وقورًا ، شديدَ الوطأة ، تخافهُ المُلوك وترهبه الجبابرةُ . وكان ظريفًا لطيفًا ، حسنَ الأخلاق ، حلوَ الكلامِ ، مليحَ الوجه ، محبًّا للفُضلاء ، ولَهُ يد باسطة في النَّحْو واللّغة ، ومداخلةٌ في جميع العلوم . إلى أنّ قال : أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري ، قال : أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ ، قال : أنشدني الوزير مُؤيّد الدِّين القمّي النائبُ في الوزارة الناصرية ، قال : أنشدني جمال الدِّين النَّحْويّ لنفسه في قَيْنَة : سميتها شجرًا صدقت لأنها . . . كم أثمرت طربًا لقلب الواجد يا حسن زهرتها وطيب ثمارها . . . لو أنها تسقى بماءٍ واحد وبه قال : وأنشدنا لنفسه :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 937 | الذهبي / بشار عوّاد معروف