تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
ثُمَّ ب‍ " مختصر الهداية " الّذي جَمَعَهُ ، ثُمَّ بعدَ ذَلِكَ ، اشتغل عَلَيْهِ الخَلْق بتصانيفه : " المُقنِع " و " الكافي " و " العُمدة " ، وكان يقرأ عَلَيْهِ النحْو ، ويشرحه ، ولم يترك الإشغال إلّا من عُذْر ، وانتفع بِهِ غير واحد من البلدان ، ورحلوا إِلَيْهِ ، وكان لَا يكاد يراه أحد إلّا أحَبّه ، حتّى كَانَ كثير من المُخالفين يحبّونه ، ويصلُّون خلفه ويمدحونه مدحًا كثيرًا ، وكنتُ أعرف في عهد أولاده أنّهم يتخاصمون عنده ، ويتضاربون وهو لَا يتكلّم ، وكنّا نقرأ عَلَيْهِ ، ويحضر مَنْ لَا يَفْهَم ، فربَّما اعترض ذَلِكَ الرجل بما لَا يكون في ذَلِكَ المعنَى ، فنغتاظ نحن ، ويقول : لَيْسَ هذا من هذا ، وجرى ذَلِكَ غير مرَّة ، فَما أعلم أَنَّهُ قَالَ لَهُ قطُّ شيئًا ، ولا أوجع قلبَهُ ، وكانت لَهُ جارية تؤذيه بخُلُقها فَما كَانَ يَقُولُ لها شيئًا ، وكذلك غيرها من نسائِهِ . وسمعت البهاء عَبْد الرَّحْمَن يَقُولُ : لم أر فيمن خالطت أجملَ منه ، ولا أكثر احتمالًا . وكان متواضعًا ، يقعد إِلَيْهِ المساكين ، ويسمع كلامَهُم ، ويقضي حوائجَهُم ، ويعطيهم ، وكان حسَنَ الأخلاق ، لَا نكاد نراه إلّا متبسماً ، يحكي الحكايات لجُلَسائه ، ويخدمهم ، ويَمْزح ، ولا يَقُولُ إلّا حَقًّا . وسمعتُ البهاء عَبْد الرَّحْمَن يَقُولُ : قد صحِبناه في الغزاة ، فكان يمازحنا ، وينبسط معنا ، يقصد بذاك طِيب قلوبنا ، فَما رأيتُ أكرمَ منه ، ولا أحسن صُحبة ، وكان عندنا صِبيان يشتغلون عَلَيْهِ من حوران ، وكانوا يَلْعبون بعض الْأوقات إذَا خَلَوا ، فشكى بعض الجماعة إِلى الشيخ أبي عُمَر ، فَقَالَ : أخرجوهم من عندنا ، ثُمَّ قَالَ : هَؤُلَاءِ أصحاب الموفَّق ، فاذكروهم لَهُ ، فقالوا لَهُ ، فَقَالَ : وهل يصنعون إلّا أنهم يلعبون ؟ هم صبيان لابد لهم من اللَّعب إذَا اجتمعوا ، وإنّكم كنتم مثلهم ، وكان بعض الْأوقات يرانا نلعب فلا ينكر علينا . ولقد شاورته في أشياء متعدّدة ، فيشير عليَّ بشيء ، فأراه بعد كما قَالَ ، وكم قد جرى عَلَى أصحابنا من غَمِّ وضيق صدر من جهة السلاطين واختلافهم ، فإذا وصل الكلام إِلَيْهِ أشارَ بالرأي السّديد الّذي يراه ، فيكون في
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 606 | الذهبي / بشار عوّاد معروف