تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
أن يكتب نعيَّ الإِسْلَام ، فيا ليت أُمي لم تلدني ، ويا ليتني مُتُ قبل حدوثها . ثُمَّ حثَّني جماعةٌ عَلَى تسطيرها ، فنقول : هَذَا الفصل يتضمن ذِكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الدُّهور عن مثلها ، عمّت الخلائق ، وخصَّت المُسلمين ، فلو قَالَ قائل : إنَّ العالم منذ خلقهُ اللَّه إلى الآن لم يُبْتلوا بمثلها ، لكان صادقًا ، فإنّ التواريخ لم تتضمن ما يقاربها . ومن أعظم ما يذكرون فعل بختُ نصَّر ببني إسرائيل بالبيت المُقدس ، وما البيت المُقدّس بالنسبة إلى ما خَرّب هَؤُلَاءِ الملاعين ؟ ! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا ؟ ! فهذه الحادثة التي استطار شررُها وعمَّ ضررها ، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريحُ ، فإنّ قومًا خرجوا من أطراف الصين فقصدُوا بلاد تُركستان ، مثل كاشْغر ، وبلاشغون ، ثُمَّ منها إلى بُخَارَى ، وَسَمَرْقَنْد فيملكونها ، ويفعلون بأهلها ما نذكره ، ثُمَّ تعبُرُ طائفةٌ منهم إلى خُراسان فيفرغون منها مُلْكًا وتخْريبًا وقتْلًا وإبادة إلى الرّيّ وهمذان إلى حدِّ العراق ، ثُمَّ يقصدون أَذْرَبِيجَان ونواحيها ويخرِّبونها ويستبيحونها في أقلِّ من سنةٍ ، أمرٌ لم يُسمع بِمِثْلِهِ . ثُمَّ ساروا من أَذْرَبِيجَان إلى دَرْبَنْد شِرْوان فملكوا مدنهُ ، ولم يسلم غير القلعة التي فيها ملكهم ، وعبروا من عندها إلى بلد اللّان واللّكْز فقتلوا وأسروا ، ثُمَّ قصدوا بلاد قَفْجاق ، وهم من أكثر التُّرك عددًا ، فقتلوا من وقف ، وهرب الباقون إلى الشعراء والغياض ورؤوس الجبال ، وفارقوا بلادهم ، واستولى التتر عليها . ومضى طائفةٌ أخرى غير هَؤُلَاءِ إلى غزْنة وأعمالها ، وسجستان وكَرْمان ، ففعلوا مثل هَؤُلَاءِ بل أشدّ ، هَذَا ما لم يطرق الْأسماع مثله ؛ فإنّ الإسكندر الَّذِي ملكَ الدُّنْيَا لم يملكها في هذه السرعة ، وإنما ملكها في نحو عشر سنين ، ولم يقتل أحدًا ، إنّما رضي بالطاعة . وَهَؤُلاءِ قد ملكوا أكثر المَعْمور من الْأرض