تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الإحصاء ، وَأَنَّهُم مِن أصبر خلق اللَّه عَلَى القتال ، لَا يعرفون هزيمةً ، ويعملون سلاحهم بأيديهم ، فندِمَ خُوَارِزْم شاه عَلَى قَتْل تُجَارهم ، وحَصَلَ عنده فِكرٌ زائدٌ ، فأَحضر الفقيه شهاب الدين الخيوقي فاستشاره ، فقال : اجمع عساكرك ويكون التغير عامًّا ، فَإِنَّهُ يجب عَلَى الإِسْلَام ذلك ، ثُمَّ تسير بالجيوش إلى جانب سَيْحون ، وَهُوَ نهر كبير يفصل بين التُّرك وبلاد ما وراء النَّهْر ، فتكون هناك ، فَإِذَا وصلَ إِلَيْهِ العدوّ وقد سار مسافة بعيدة ، لقيناه ، وَنَحْنُ مستريحون ، وهم في غاية التَّعب . فجمع الْأُمراء واستشارهم ، فلم يوافقوه عَلَى هَذَا ، بل قَالُوا : الرأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا ، ويسلكون هذه الجبال والوعر ، فإنهم جاهلون بطُرقٌها ، وَنَحْنُ عارفون بها ، فنقوى حينئذٍ عليهم ويهلكون . فبينما هم كذلك إذ قدم رسول جنكزخان يتهدّد خُوارزم شاه وَيَقُولُ : تقتلون تُجاري وتأخذون أموالهم ، استعدوا للحرب ، فها أنا واصلٌ إليكم بجمْعٍ لَا قِبَل لكم بِهِ . وَكَانَ قد سار وملك كاشغر وبلا ساغون وأزال عَنْهَا التَّتَار الْأوّلين ، فلم يظهر لهم أثر ، ولا بقي لهم خبر ، بل أبادهم ، فقتل خُوارزم شاه الرَّسُول ، وأما أصحابُه فحلق لحاهم ، وردهم إلى جنكزخان يقولون لَهُ : إِنَّهُ سائرٌ إليك . وبادر خُوارزم شاه ليسبقَ خبرهٌ ويكبس التَّتَار ، فقطع مسيرةَ أربعة أشهر ، فوصل إلى بيوت التَّتَار ، فما وجد فيها إلى الحريم فاستباحها ، وَكَانَ التَّتَار قد ساروا إلى محاربة ملك من ملوك التُرك يقال له كشلوخان فهزموه ، وغنموا أمواله ، وعادوا فجاءهم الصريخ بما جرى ، فجدُّوا في السيّر فأدركوا خُوَارِزْم شاه ، وعملوا معه مصافًّا لم يُسمع بِمِثْلِهِ ، واقتتلوا أشدّ قتال ، وبقوا في الحرب ثلاثة أيام ولياليها ، وقُتل من الطائفتين خلقٌ لَا يُحصون ، وثبت المسلمون وابلوا بلاءً حسنًا ، وعلموا أَنَّهُم إن انهزموا لم يبقَ للمسلمين باقية ، وَأَنَّهُم يؤخذون لبُعدهم عن الديار . وأمّا الكفار التَّتَار فصبروا لاستنقاذ أموالهم وحريمهم ، واشتدَّ بهم الْأمرُ حَتَّى كَانَ أحدُهم ينزل عن فرسه وقِرْنه راجل ، فيقتتلان بالسكاكين . وجرى الدّمُ حَتَّى زلقت الخيل فيه من كثرته ، واستفرغ