عَلَى قَيْسارية ، فأقمنا حَتَّى افتتحها عَنْوةً ، ثُمَّ نزل عَلَى حِصْن البَقَر فافتتحه وهَدَمه ، وقَدِمَ دمشق .
وفيها ألبسَ الملك المُعَظَّم قاضي القضاة زكيّ الدين الطّاهر القِباء والكلوتة بمجلس الحكم بداره .
قَالَ أَبُو المُظَفَّر : كَانَ في قلبِ المُعظم منه حزازات ، كَانَ يمنعه من إظهارها حياؤه من أبيه ، وكان يشكو إليَّ مرارًا . ومَرضت ستُّ الشَّام عَمَّة المُعَظَّم ، وكانت أوصَتْ بدارها مدرسةً ، فأحضَرَت القاضي المذكور والشهود ، وأوصت إلى القاضي ، وبلغَ ذَلِكَ المُعَظَّم فعزَّ عليه ، وقال : يحضر إلى دار عمتي بغير إذني ويسمع كلامها . ثُمَّ اتفق أَنَّ القاضي أحضر جابي العزيزية وطلب منه حسابًا ، فأغلظ لَهُ ، فأمر بضربه ، فضُرب بين يديه كما تفعل الوُلاة . فوجد المُعظم سبيلا إلى إظهار ما في نفسه ، وَكَانَ الجمال المَصْرِيّ وكيل بيت المال عدوا للقاضي ، فجاء فجلس عند القاضي والشهود حاضرون ، فبعث المعظم بقجة فيها قباء وكلوتة ، وأمر أن يحكم بهما بينَ الناس ، فقامَ من خوفه فلَبِسَهما ، وحكمَ بين اثنين .
قَالَ أَبُو شامة : جابي المدرسة هُوَ السَّديد سالم بن عَبْد الرَّزَّاق خطيب عَقربا ، وجاء الَّذِي ألْبَسه الخِلْعة إلى عند شيخنا السَّخَاويّ ، فتأوّه الشَّيْخ وضرب بيده عَلَى الْأخرى ، فَكَانَ ممّا حكى أنْ قَالَ : أمرني السلطان أن أقول لَهُ : السلطان يسلّم عليك وَيَقُولُ لك : الخليفة سلام الله عليه إذا أراد أن يُشرف أحداُ خلعَ عليه من ملابسه ؛ ونحن نسلك طريقه . وفتحتُ البقجة ، فَلَمَّا رآها وَجَمَ ، فأمرتُه بترك التوقف ، فمد يدهُ ووضع القباء على كتفيه ، ووضع عمامته وحط الكلوتة على رأسه ، ثُمَّ قام ودخل بيته .
قَالَ أَبُو شامة : ومن لطف الله به أن كَانَ المجلس في داره ، ثُمَّ لزم بيته ، ولم تطُل حياته بعدها ، ومات في صفر سنة سبع عشرة ، رمى قِطَعًا من كبده ، وتأسف الناس لما جرى عليه ، وكان يحب أهل الخير ، ويزور الصالحين .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 285
مساهمون: الذهبي
ص٢٨٥