تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 891

مساهمون:

ص٨٩١
الحاجة ، وغسّله الدَّوْلِعيّ ، وأُخرج فِي تابوت ، وصلّى عليه القاضي محيي الدين ابن الزَّكيّ ، وأُعيد إِلَى الدار التي فِي البستان التي كان متمرضًا فيها . ودفن بالصفة الغربية منها . وارتفعت الأصوات بالبكاء ، وعظُم الضجيج ، حَتَّى إن العاقل يتخيّل أنّ الدُّنْيَا كلها تصيح صوتًا واحدًا . وغَشِيَ النّاس منَ البكاء والعويل ما شغلهم عَنِ الصَّلاة ، وصلى عليه النّاس أَرسالًا ، وتأسَّف النّاسُ عليه ، حَتَّى الفِرَنج ، لِما كان من صِدْق وفائه إذا عاهد . ثُمّ بنى ولده الأفضل صاحب دمشق قبة شمالي الجامع ، وهي التي شباكها القِبْلي إِلَى الكلّاسة ، ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين ، ومشى بَيْنَ يدي تابوته . وأراد العلماء حمله على أعناقهم ، فقال الأفضل : تكفيه أدْعِيتكم الصالحة . وحمله مماليكه ، وأُخرِج إِلَى باب البريد ، فصُلّي عليه قُدّام النَّسْر . وتقدم فِي الإمامة القاضي محيي الدّين بإذْن ولده . ودخل الأفضل لَحْدَه وأودعه وخرج ، وسد الباب ، وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيام ، وذلك خلاف العادة ، وخلاف السُّنَّة . كَانَ رحِمَه اللَّه كريمًا ، جوادًا ، بطلًا ، شجاعًا ، كامل العقل والقُوَى ، شديد الهيبة ، افتتح بسيفه وبأقاربه منَ اليمن إِلَى المَوْصِل ، إِلَى أوائل الغرب ، إِلَى أسوان . وَفِي " الروضتين " لأبي شامة إن السّلطان رحِمَه اللَّه لَمْ يخلف فِي خزائنه منَ الذَّهَب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهمًا ، ودينارًا واحدًا صوريًّا . ولم يخلف ملكًا ولا عقارًا ، وخلف سبعةَ عشر ولدًا ذَكَرًا ، وابنة صغيرة . ومن إنشاء العماد الكاتب إِلَى الخليفة عَلَى لسان الأفضل : " أصدر العبدُ هَذِهِ الخدمة وصدرهُ مشروح بالولاءِ ، وقلبه مغمور بالضياءِ ، ويده مرفوعة إِلَى السماء ، ولسانه ناطق بالشكر والدُّعاء ، وجَنَانه ثَابِت منَ المهابة والمحبَّة عَلَى الخوف والرجاء ، وطرفه مغمض من الحياء . وهو للأرض مقبل ، وللفرض متقبل ، يمتُّ بما قدمه منَ الخدمات ، وذخَره ذخر الأقوات لهذه الأوقات ، وَقَدْ أحاطت العلوم الشريفة بأن الوالد السعيد الشهيد الشديد السديد المبيد للشرك المبير ، لم يزل مستقيمًا على جديد الجد ، ومصر بل الأمصار باجتهاده فِي