وشِيعته ، والحال ما حال ، والأمرُ ما زال ، ولله الأمرُ فِي الآخرة والأولى . وَقَدْ علِمتم ظاهر حالنا ، وكيفيَّة رجالنا ، وما يتمنَّونَه منَ الفَوْت ، ويتقرّبون بِهِ إلى حِياض الموت ، وَفِي المّثَل : أَوَ لِلْبَطّ تهدّد بالشّطّ ؟ فهيّئ للبلايا أسبابا ، وتدرّع للرّزايا جِلْبابا ، فلأَظْهَرَنّ عليك منك ، وتكون كالباحث عَنْ حتْفه بظلفِه ، وما ذَلِكَ عَلَى اللَّه بعزيز ، فإذا وقفتّ عَلَى كتابنا هَذَا ، فكُن لأمرنا بالمرصاد ، ومن حالك عَلَى اقتصاد ، واقرأ أول " النَّحل " وآخر " ص " .
وقَالَ كمال الدّين : حَدَّثَنِي النَّجم مُحَمَّد بْن إِسْرَائِيل قَالَ : أخبرني المنتجبُ بْن دفتر خوان قَالَ : أرسلني صلاح الدّين إلى سِنان زعيم الإسماعيلية حين وثبوا عَلَى صلاح الدّين للمرَّة الثّالثة بدمشق ، ونعى القُطب النَّيْسابوريّ ، وأرسل معي تهديدًا وتخويفًا ، فلم يُجبه ، بل كتب عَلَى طُرة كتاب صلاح الدّين ، وقَالَ لنا : هَذَا جوابكم :
جاء الغرابُ إِلَى البازيّ يهددهُ . . . ونبهت لصراع الأُسْد أضبعُه
يا مَنْ يهدّدني بالسِّيف خُذهُ وقُم . . . لا قام مصرعُ جنْبي حين تصرعُه
يا مَنْ يسدّ فم الأَفْعَى بإصبعه . . . يكفيه ما لَقِيَتْ من ذاك إصبعُه
ثم قال : إن صاحبك يحكم عَلَى ظواهر جُنده ، وأنا أحكم عَلَى بواطن جُندي ، ودليله ما تشاهد الآن . ثُمّ دعا عشرةً من صبيان القاعة ، وكان عَلَى حصنه المنيف ، فاستخرج سكينًا وألقاها إِلَى الخندق ، وقَالَ : مَنْ أراد هَذِهِ فليُلقِ نفسَه خلفها . فتبادَروا جميعًا وثْبًا خلفها ، فتقطعوا . فعُدنا إِلَى السّلطان صلاح الدّين وعرّفناه ، فصالحه .
وذكر الشَّيْخ قُطْب الدّين فِي " تاريخه " أنّ سنانًا سيَّر إِلَى صلاح الدّين رحِمَه اللَّه رسولًا ، وأمره أن لا يؤدّي رسالته إلّا خَلْوةً ، ففتَّشه صلاح الدّين ، فلم يجد معه ما يخافه ، فأخلى له المجلس ، إلا نفرا يسيرا ، فامتنع من أداء الرسالة حَتَّى يخرجوا ، فأخرجهم كلَّهم ، سوى مملوكين ، فَقَالَ : هاتِ رسالتك . فَقَالَ : أُمِرْت أن لا أقولها إلا فِي خَلْوة . فَقَالَ : هذان ما يخرجان ، فإنْ أردتَ تذكر رسالتك ، وإلا قم : قَالَ : فلِمَ لا يَخْرُج هذان ؟ قَالَ : لأنهما مثل أولادي .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 877
مساهمون: الذهبي
ص٨٧٧