تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 842

مساهمون:

ص٨٤٢
المعروف ، نهض إِلَيْهِ بأشدّ غضب وقَالَ : ويلك ما هَذِهِ البدعة ؟ وكان الرجل قَدْ زوَّرَ في نفسه كلامًا لطيفا يلاطفه بِهِ ، فأعجله عَنْ ذَلِكَ ، فرمى الدّنانير بَيْنَ يديه ، فضربه عَلَى رأسه ، فصارت عمامته حَلقًا فِي عُنقه ، وأنزله منَ السُّلَّم وَهُوَ يرمي بالدّنانير عَلَى رأسه ، ويلعن أَهْل القصر . ثُمَّ إن العاضد تُوُفّي ، وتهيَّب صلاح الدّين أن يخطب لبني الْعَبَّاس خوفًا منَ الشّيعة ، فوقف الخُبوشاني قُدام المنبر بعصاه ، وأمَر الخطيب أن يذكر بني الْعَبَّاس ، ففعل ، ولم يكن إلا الخير . ووصل الخبر إلى بغداد ، فزيّنوا بغداد وبالغوا ، وأظهروا منَ الفرح فوق الوصْف . ثُمَّ إن الخُبُوشاني أَخَذَ فِي بناء ضريح الشّافعيّ ، وكان مدفونًا عنده ابن الكيزانيّ ، رجلٌ ينسب إلى التّشبيه ، وَلَهُ أتباع كثيرون منَ الشّارع . قُلْتُ : بالغ الموفّق ، فإنّ هَذَا رجلٌ سُني يلعن المشبِّهة ، تُوُفّي فِي حدود السّتّين وخمسمائة . قَالَ : فَقَالَ الخُبُوشانيّ : لا يكون صِدّيق وزِنديق فِي موضع واحد . وَجَعَل ينبش ويرمي عظامه وعظام الموتى الَّذِين حوله ، فشد الحنابلة عليه وتألّبوا ، وصار بينهم حملات حربيَّة ، وزحفات إفرنجيَّة ، إلى أن غلبهم وبنى القبر والمدرسة ، ودرّس بها . وكان يركب الحمار ، ويجعل تحته أكْسِية لئلّا يصل إِلَيْهِ عرقُه . وجاء الملك الْعَزِيز إلى زيارته وصافَحَه ، فاستدعى بماءٍ وغَسَل يده وقَالَ : يا ولدي إنك تمسك العنان ، ولا يتوقّى الغلمانُ عليه . فَقَالَ : اغسِل وجهك ، فإنّك بعد المصافحة لمستَ وجهك . فقال : نعم . وغسَل وجهه . وكان أصحابه يتلاعبون بِهِ ، ويأكلون الدُّنْيَا بسببه ، ولا يسمع فيهم قولًا ، وَهُم عنده معصومون . وكان مَتَى رَأَى ذِميًّا راكبًا قصد قتله ، فكانوا يتحامونه ، وإنَّه ظفر بواحد منهم ، فوكزه بالمِقْرَعة ، فأندرّ عينه وذهبت هَدْرًا . وكان هَذَا طبيبًا يُعرف بابن شوعَة ؛ وكان صلاح الدّين لما توجه إلى الفِرَنج نوبة الرملة خرج فِي عسكرٍ كثيفٍ فيهم أربعة عشر ألف فارس من مزيحي العِلل ، وجاء إلى وداعه ، فالتمس منه أن يُسقط رسومًا لا يمكن إسقاطها ، فسَاء عليه خُلُقه وقَالَ : قُمْ لا نَصَرَك اللَّه ، ووكزّه بعصا ، فوقعت قَلَنْسُوَتُه عَنْ رأسه . فوجمَ لها ، ثم نهض