تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 694

مساهمون:

ص٦٩٤
وقَالَ : إن أَبِي كَانَ شيخًا كبيرا ، وإنما قصد هذه الديار لأجل حج بيت المقدس وأنا الذي دبرت المُلك ، فَمَنْ أطاعني وإلا قصدت بلاده . واستعطف لافون ، واقتضى الحال الاجتماع بِهِ ضرورة . وبالجملة قَدْ عرض عسكره ، فكانوا اثنين وأربعين ألف فارس ، وأمّا الرجالة فلا يُحصون ، وهم أجناس متفاوتة ، وهم عَلَى سياسةٍ عظيمة ، حَتَّى إن من جنى منهم جناية قُتِل . ولقد جنى كبير منهم عَلَى غلامه فجاوز الحدَّ فِي ضرْبه ، فاجتمعت القسوس للحكم فأمروا بذبحه ، فشفع إلى الملك منهم خلقٌ ، فلم يلتفت إلى ذَلِكَ وذبحه . وَقَدْ حرّموا الملاذَّ عَلَى أنفسهم ، ولم يلبسوا إلا الحديد ، وهم منَ الصبر عَلَى الذُّل والتَّعَب والشقاء عَلَى حالٍ عظيم " . انتهى الكتاب . فَلَمَّا هلك ملكهم سار بهم ولده إلى أنطاكية ، وعمَّهم المرض ، وصار مُعظمهم حَمَلة عِصِي ورُكاب حِمْيَر . فتبرَّم بهم صاحب أنطاكية ، وحسَّن لهم قصْدَ حلب ، فأبوا وطلبوا منه قلعته ليُودِعوا فيها الخزائن ، فأخلاها لهم ، ففاز بما وضعوه بها وجاءت فرقة منَ الألمانية إلى بغْراس ، وظنوا أنها للنَّصارى ، ففتح واليها الباب ، وخرج أصحابه فتسلموا صناديق أموال ، وقتلوا كثيرًا منهُم ، ثُمَّ خرج جُند حلب وتلقطوهم . وكان الواحد يأسر جماعة ، فهانوا فِي النفوس بعد الهيبة والرعب منهم ، وبيعوا فِي الأسواق بأبخس ثمن . قَالَ ابن شدّاد : مرض ابن ملك الألمان مرضًا عظيمًا فِي بلاد ابن لاون ، وأقام معه خمسة وعشرون فارسًا وأربعون داويًا ، ونفذ عسكره نحو أنطاكية ، حَتَّى يقطعوا الطريق ، ورتبهم ثلاث فرق لكثْرتهم . فاجتازت فرقة تحت بغراس ، فأخذ عسكر بغراس مَعَ قلته مائتي رجلٍ منهم . وسار بعض عسكر البلاد لكشف أخبارهم ، فوقعوا على فرقة منهم ، فقتلوا وأسروا زُهاء خمس مائة . وقَالَ ابن شدّاد : حضرت من يخبر السّلطان عَنْهُمْ ويَقُولُ : هُمْ ضعفاء قليلو الخيل والعدة ، وأكثر ثقلهم عَلَى حِمْيَر وخيلٍ ضعيفة ، ولم أر مَعَ كُثير منهم طارقة ولا رُمحًا ، فسألتهم عَنْ ذَلِكَ فقالوا : أقمنا بمرجٍ وخمٍ أيامًا ،