قَالَ ابن الأثير : فخرجوا عَلَى الصَّعْب والذَّلُول برّا وبحرًا من كُلّ فجٍّ عميق ، ولولا أن اللَّه لطف بالمسلمين وأهلك ملك الألمان لما خرج إلى الشام ، وإلا كَانَ يُقَالُ : إن الشام ومصر كانتا للمسلمين إلى أن قَالَ : ونازلوا عكّا فِي منتصف رجب ، ولم يبق للمسلمين إليها طريق ، فنزل صلاح الدّين عَلَى تل كيسان ، وسير الكُتب إلى ملوك الأطراف بطلب العساكر ، فأتاه عسكر المَوْصِل وديار بَكْر والجزيرة ، وأتاه تقي الدّين ابن أخيه ، إلى أن قَالَ ابن الأثير : فكان بَيْنَ الفريقين حروب كثيرة ، فقاتلهم صلاح الدّين فِي أول شعبان ، فلم ينل منهم غرضًا ، وبات النّاس عَلَى تعبئة ، وباكروا القتال منَ الغد ، وصبر الفريقان صبرًا حار لَهُ مَن رآه إلى الظهر ، فحمل عليهم تقي الدّين حملة مُنْكَرَة منَ الميمنة عَلَى من يليه فأزاحهم عَنْ مواقفهم ، والتجؤوا إلى من يليهم ، وملك تقي الدّين مكانهم والتصق بعكا . ودخل المسلمون البلد ، وخرجوا منه ، وزال الحصار . وأدخل إليهم صلاح الدّين ما أراد منَ الرجال والذخائر ، ولو أن المسلمين لزِموا القتال إلى الليل لبلغوا ما أرادوا . وأدخل إليهم صلاح الدّين الأمير حسام الدّين السّمين .
ذكر الوقعة الكبرى
قَالَ : وبقي المسلمون إلى العشرين من شعبان ، كل يوم يعاودون القتال ويراوحونه ، والفِرَنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يُفارقونه حَتَّى تجمعوًا للمشورة ، فقالوا : عساكر مصر لَمْ تحضر ، والحال مَعَ صلاح الدّين هكذا . والرأي أننا نلقَى المسلمين غدًا لعلَّنا نظفر بهم . وكان كثير من عساكر السّلطان غائبًا ، بعضها في مقابل أنطاكية تخوفًا من صاحب أنطاكية ، وبعضها فِي حمص مقابل طرابُلس ، وعسكر فِي مقابل صور ، وعسكر مصر بالإسكندرية ودِمياط ، وأصبح صلاح الدّين وعسكره عَلَى غير أُهبة ، فخرجت الفِرَنج منَ الغد كَأنَّهُمُ الجراد المنتشر ، قَدْ ملأوا الطُّول والعَرْض ، وطلبوا ميمنة الْإِسْلَام وعليها تقي
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 689
مساهمون: الذهبي
ص٦٨٩