تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 650

مساهمون:

ص٦٥٠
وكان يُسهل عَلَيْهِ بذل الأموال سعة ما يتحصّل من الخراج . كان يرتفع ما يخرج إليه من إفريقية فِي كل سنة مائةٌ وخمسون حمل بغل ، هذا سوى حملِ بِجاية وأعمالها وتلْمِسان وأعمالها . وكانت أيامه مواسم وخصْبًا وأمْنًا . وفي سنة تسع وسبعين تجهز للغزو واستنفر أهل السهل والجبل والعرب ، فعبر بهم الأندلس فنزل إشبيلية ، ثم قصد مدينة شَنترين أعادها إلى المسلمين ، وهي بغرب الأندلس . أخذها ابن الريق لعنه اللَّه ، فنازلها أَبُو يعقوب وضايقها ، وقطع أشجارها ، وحاصرها مدة . ثم خاف المسلمون البرد وزيادة النهر ، فأشاروا على أَبِي يعقوب بالرجوع فوافقهم ، وقال : غدًا نرحل . فكان أول من قَوض خباءه أَبُو الْحَسَن علي ابن القاضي عَبْد اللَّه المالقي ، وكان خطيبهم . فلما رآه الناس قوضوا أخبيتهم ثقة به لمكانه ، فعبر تلك العشية أكثرُ العسكر النهرَ ، وتقدموا خوف الزحام ، وبات الناس يعبرون الليل كله ، وأبو يعقوب لَا عِلم لَهُ بذلك . فلما رَأَى الروم عبور العساكر ، وأخبرهم عيونهم بالأمر ، انتهزوا الفُرصة وخرجوا وحملوا على الناس ، فانهزموا أمامهم حتى بلغوا إلى مخيم أَبِي يعقوب ، فَقُتِلَ على باب المخيم خلقٌ من أعيان الجند ، وخلص إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب ، فطُعن تحت سُرّته طعنة مات منها بعد أيام يسيرة . وتدارك الناس ، فانهزم الروم إلى البلد ، وقد قضوا ما قضوا ، وعَبَر الموحدون بأبي يعقوب جريحًا فِي مِحَفّة ، وتهدد ابْن المالقي فهرب بنفسه حتى دخل مدينة شَنْتَرِين ، فأكرمه ابن الريق . وبقي عنده إلى أن تهيأ لَهُ أمر ، فكتب إلى الموحدين يستعطفهم ويتقرب إليهم بضعف البلد ، ويدلّهم على عورته . وقال لابن الريق : إني أريد أن أكتب إلى عيالي بإكرام الملك لي . فإذِن لَهُ ، فعثر على كتابه فأحضره وقال : ما حملك على هذا مع إكرامي لك ؟ فقال : إن ذلك لَا يمنعني من النصح لأهل ديني . فأحرقه ، ولم يسيروا بأبي يعقوب إلَّا ليلتين أو ثلاثًا حتى مات ، فأخبرني من كان معهم أنه سمع فِي العسكر النداء الصلاة على جنازة رَجُل ، فصلى الناس قاطبة لَا يعرفون على مَن صلوا . وصبروه وبعثوا به فِي تابوت مع كافور الحاجب إلى تينملل ، فدُفن هناك مع
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 650 | الذهبي / بشار عوّاد معروف