تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
والصِّيَام ، والتّسبيح ، عفيفًا ، متحرّيًا فِي المطعم والمشرب ، عُرْيًا عَن التَّكَبُّر . وكان ذا عقل متين ورأي رصين ، مقْتديًا بسيرة السَّلَف ، مُتَشَبِّهًا بالعلماء والصُّلحاء ، روى الحديث وأسمعه بالإجازة ، وكان من رآه شاهَدَ من جلال السّلطنة وهَيْبة المُلك ما يُبْهِره ، فإذا فاوضه رَأَى من لطافته وتواضعه ما يُحيِّره ، ولقد حكى عَنْهُ مَن صَحِبَه فِي حَضَره وسَفَره أَنَّهُ لم يسمع منه كلمةَ فحش في رضاه ولا في ضَجَره ، وإنَّ أشهى ما إِلَيْهِ كلمةُ حقٍّ يسمعها ، أو إرشاد إلى سُنَّة يتَّبِعُها ، يؤاخي الصّالحين ويزورهم ، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم ، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم . ومتى تكرَّرت الشِّكاية من وُلاته عَزَلهم . وأكثر ما أخذه من البلدان تسلّمه بالأمان . وكان كُلَّما فتح اللَّه عَلَيْهِ فتحًا ، وزاده ولايةَ ، أسقط عَنْ رعيّته قسْطًا ، حَتَّى ارتفعت عَنْهُمُ الظُّلامات والمُكُوس ، واتَّضعت فِي جميع ولايته الغرامات والنحوس . وقال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ : نور الدِّين وليَ الشّامَ سِنين ، وجاهد الثّغور ، وانتزع من أيدي الكُفَّار نيِّفًا وخمسين مدينة وحصْنًا ، وبنى مارستانًا فِي الشّام ، فأنفق عَلَيْهِ مالًا ، وبنى بالمَوْصِل جامعًا غرِم عَلَيْهِ سبعين ألف دينار ؛ ثُمَّ أثنى عَلَيْهِ . وقال : كان يتدين بطاعة الخلافة ، وترْك المُكُوس قبل موته ؛ وبعث جُنودًا فتحوا مصر . وكان يميل إلى التَّواضُع ، ومحبَّة العلماء والصُّلَحاء ، وكاتَبَني مِرارًا . وأحْلَفَ الأمراءَ عَلَى طاعة ولده بعده ، وعاهد ملك الفرنج ، صاحب طَرَابُلُسَ ، وقد كَانَ فِي قبضته أسيرًا ، عَلَى أن يطلقه بثلاثمائة ألف دينار وخمسمائة حصان ، وخمسمائة زردية ، ومثلها تراس إفرنجية ، ومثلها قنطوريات ، وخمسمائة أسيرٍ مسلمين ، وبأنّه لا يُغير عَلَى بلاد المسلمين سبْع سِنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام . وأخذ منه فِي قبضته عَلَى الوفاء بذلك مائة من كبار أولاد الفرنج وبطارقتهم ، فإن نكث أراق دماءهم . وعزم عَلَى فتح بيت المقدس ، فتُوُفّي فِي شوَّال . وكانت ولايته ثمانيًا وعشرين سَنَة . وقال المُوفَّق عَبْد اللّطيف : كَانَ نور الدِّين لم ينشف لَهُ لبدٌ من الجهاد ، وكان يأكل من عمل يده ، ينسخ تارة ، ويعمل أغلافًا تارةً ، ويلبس الصوف ،