تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
وفيها جهّز نور الدِّين جيشًا عليهم أسد الدِّين شيركوه إلى مصر نجدةً لشاور ، لكونه قصده واستجار به . فأوّل دخولهم قتل الملك المنصور ضرغام الَّذِي كان قد قهر شاوَر ، وأخذ وزارة مصر منه فِي آخر العام الماضي . ثُمَّ تمكّن شاوَر ولم يلتفت على شيركوه ، فاستولى على بلبيس وأعمال الشرقية . وأرسل شاوَر يستنجد بالفرنج ، فسارعوا إليه ، وبذل لهم ذهبًا عظيمًا ، فجاؤوا من القُدس والسّواحل ، والتجأ شيركوه وعسكر الشّام إلى بِلْبِيس ، وجعلها ظهرًا له ، وحصروه ثلاثة أشهر ومَنَعته مع قِصَر سُورها وعدم خندقٍ لها . فبينا هم كذلك إذ أتاهم الصريخ أنّ نور الدِّين أخذ حصن حارم منهم وسار إلى بانياس ، فسقط فِي أيديهم ، فهمّوا بالعود إلى بلادهم ليحفظوها ، وطلبوا الصُّلْح مع شيركوه ، فأجابهم لقلَّة الأقوات عليه ، وسار إلى الشّام سالمًا . وفيها وقعة حارِم ، وذلك أنّ نجم الدِّين ألبي الأرتقيّ صاحب ماردين نازل حارِم ونصب عليها المجانيق ، فجاءتها نجدات الفرنج من كل ناحية ، واجتمع طائفة من ملوكهم ، وعلى الكلّ بِيمُند صاحب أنطاكية ، فكشفوا عن حارِم ، وترحّل عَنْهَا صاحب ماردين ، فقصدهم نور الدِّين رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، فالتقى الْجَمْعَان ، فحملت الفرنج على ميمنة الإسلام فهزمتْها ، فيُقال : إنّهم انهزموا عن خديعةٍ قُرِّرت ، فتبِعَتْهم الفرنج الفُرسان ، فمال المسلمون من الميسرة ، فحصدت رجاله الفرنج ؛ ثُمَّ ردّت الفُرسان عليهم اللّعنة ، فأحاط بهم المسلمون ، واشتدّت الحرب ، وطاب القتل فِي سبيل اللَّه ، وكثُر القتل فِي الفرنج والأسر ، فكان فِي جملة الأسرى سلطان أنطاكية ، وصاحب طرابُلُس ، والدُّوك مقدّم الرّوميّين ، وابن جوسلين . وزادت عدَّة القتلى منهم على عشرة آلاف ، فللّه الحمد على هذا الفتح المبين . ثُمَّ سار نور الدِّين بعد أنّ افتتح حارِم ، فافتتح قلعة بانياس فِي آخر السنة . وكان لها بيد الفرنج ستَّة عشر عامًا . ولمّا عاد منها إلى دمشق ، قال ابن الأثير : كان فِي يده خاتم بفَصّ ياقوت يُسمّى الجبل لكِبره وحُسْنه ، فسقطُ من يده فِي شعرة بانياس ، فنفذ وراءه من فتّش عليه فلقِيَه ، فقال فِيهِ بعض الشعراء :