تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
نور الدّين بالدّخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها ، فبلغ صلاحَ الدّين ذَلِكَ ، فجمع أهله وأباه وخاله الأمير شهاب الدّين الحارميّ وسائر الأمراء وأطلعهم عَلَى نيَّة نور الدّين ، واستشارهم فسكتوا ، فقال ابن أخيه تقي الدّين عُمَر : إذا جاء قاتلناه . ووافقه غيره من أهله ، فسبّهم نجم الدّين أيّوب واحتدّ ، وكان ذا رأي ومكر ، وقال لتقي الدّين : اسكت . وزَبَرَه ، وقال لصلاح الدّين : أَنَا أبوك ، وهذا خالك ، أتظّن أنّ في هَؤُلَاءِ من يريد لك الخير مثلَنَا ؟ فقال : لا . فقال : والله لو رَأَيْت أَنَا وهذا نور الدّين لم يمكننا إلّا أن ننزل ونقبّل الأرضَ ، ولو أَمَرَنا بضرْب عُنقك لفَعَلْنا ، فما ظنُّك بغيرنا ؟ ! فكلّ من تراه من الأمراء لو رَأَى نور الدّين لَمَا وسِعَه إلّا التَّرَجُّل لَهُ ، وهذه البلاد لَهُ ، وإنْ أراد عزْلك فأيّ حاجة له إلى المجيء ؟ بل يطلبك بكتاب . وتفرّقوا ، وكتب أكثر الأمراء إلى نور الدّين بما تم ، ولمّا خلا بولده قَالَ : أنت جاهل ، تجمع هذا الجمع وتُطْلِعَهم عَلَى سِرِّك ، ولو قصدك نور الدّين لم تر معك أحدًا منهم . ثمّ كتب إلى نور الدّين بإشارة والده نجم الدين يتخضع له ، ففتر عنه . قَالَ العماد : وكان نور الدّين لا يقيم في البلد أيّام الربيع والصّيف محافظةً عَلَى الثّغر وصَونًا من الحيف ، ليحمي البلاد بالسيف . وهو متشوف إلى أخبار مصر وأحوالها ، فرأى اتّخاذ الحمام المناسب ، وتدريجها عَلَى الطيران لتحمل إِلَيْهِ الكُتُب بأخبار البلدان . وتقدَّم إليَّ بكتْب منشور لأربابها ، وإعذار أصحابها ، ونودي بالتهديد لمن اصطاد منها شيئا . قَالَ : وفي رجب فوَّض إليَّ نور الدّين المدرسة الّتي عند حمّام القُصَيْر ، وهي الّتي أَنَا منذ قدِمْتُ دمشقَ فيها ساكن ، وكان فيها الشَّيْخ الكبير ابن عَبْد ، وقد استفاد من علمه كلّ حرٍّ وعبد ، فتُوُفّي وخلّف ولدين استمرّا فيها عَلَى رسم الوالد ، ودرّسا بها ، فخدعهما مغربيّ بالكيمياء فلزِماه ، وافتقرا بِهِ وأغنياه ، وغاظ نور الدّين ذَلِكَ ، وأحضرهما ووبّخهما ، ورتبني فيها مدرسا وناظرا . وفيها عبرت الخطَا نهر جَيْحون يريدون خُوارَزْم ، فجمع خوارزم شاه ابن أرسلان بْن أَتْسِز بْن مُحَمَّد جيوشه وقصدهم ، فمرض ، فجهز الجيش