تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
بضيافته وضيافة عسكره ، وتردَّد إلى خدمته ، فطلب منه أسد الدّين مالًا ينفقه عَلَى جيشه فماطَلَه ، فبعث إِلَيْهِ الفقيه ضياء الدّين عيسى بْن مُحَمَّد الهَكّاريّ يَقُولُ : إنّ الجيش طلبوا نفقاتهم ، وقد مَطَلْتُهم بها وتغيَّرتْ قلوبُهم ، فإذا أَبَيْتَ فكُنْ عَلَى حَذَرٍ منهم . فلم يؤثّر هذا عند شاور ، وركب عَلَى عادته ، وأتى أسد الدّين مسترسلًا ، وقيل : إنّه تمارض ، فجاء شاور يعوده ، فاعترضه صلاح الدّين يوسف بْن أيّوب وجماعة من الأمراء النُّوريَّة فقبضوا عَلَيْهِ ، فجاءهم رسول العاضد يطلب رأس شاور ، فذبح وحمل رأسه إليه . ثمّ لم يلبث أسد الدّين أنْ حَضَرَتْه المَنِيَّة بعد خمسة وستّين يومًا من ولايته ، وقلّد العاضِدُ الملكَ النّاصر صلاح الدّين يوسف الأمورَ ، وهو لَقَّبَه الملك النّاصر ، وكتب تقليدَه القاضي الفاضلُ ، فقام بالسلطنة أتمّ قيام . قَالَ العماد فِي " البرق الشّاميّ " بعد أنْ ذكر استباحة الفرنج بلبيس : فأناخوا عَلَى القاهرة معوّلين عَلَى المحاصرة فِي عاشر صَفَر ، فخاف النّاس من نوبة بلبيس ، فلو أنّ الفرنج لم يعمدوا بالسوء إلى بلبيس لوثقت منهم القاهرة ولم تَدُم المحاصرة . وأحرق شاور مصر ، وخاف عليها منهم ، فبقيت النّار تعمل فيها أربعة وخمسين يومًا ، وكان غرضه أن يأمن عليها من العدوّ الكافر ، ثم عرف العجز ، فشرع في الحيل ومداواة الغيل ، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل لَهُ المَوَدَّة ، وأنّه يراه لدهره العُمدة ، فأحسن لَهُ العدَّة ، ووفّر لرجائه الجدَّة ، وقال : أَمْهِلني حتّى أجمع لك الدّنانير ، وأنفذ لك منها قناطير ، وأطمعه في ألف ألف دينار معجلة ومؤجلة ، وتوثَّق منه بمواثيق مستحكَمَة ، ثمّ قَالَ لَهُ : ترحل عنّا ، وتوسع الخناق ، وتترك الشّقاق ، وعجَّلَ له مائة ألف دينار حيلة وخداعا ، وواصل بكُتُبه نورَ الدّين مستصرخًا مستنفرًا ، وفي طيّها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة ، وبقي ينفّذ للفرنج فِي كلّ حين مالًا ، ويطلب منهم إمهالًا ، حتّى أتى الغوث ، فسلب أسد الدّين القرار ، وساق فِي ليلةٍ إلى حلب ، وقال : إنّ الفرنج قد استحكم فِي البلاد المصريَّة طمعُهم ، وليس فِي الوجود غيرك من يُرغمهم ، ومتى تجمع العسكر وكيف تدفعهم ؟ فقال لَهُ : خزانتي لك ، فخُذْ منها ما تريد ، ويَصْحَبُك أجنادي . وعجل له بمائتي ألف دينار ، وأمر خازنه وليّ الدّين إِسْمَاعِيل بأن يُعطيه ما يطلب ، فقال : أمضي إلى الرحْبة لجمع التُّرْكُمان . وذهب نور الدّين ليتسلم قلعة جَعْبَر ، وحشد أسد الدّين وحشر ، وأسرع نور