تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
تأخّرتَ عَنْ مصر سِرْتُ أَنَا بنفسي ، فإن ملكها الفرنجُ لا يبقى معهم بالشّام مُقام . فالتفت إليَّ عمّي وقال : تجهَّز يا يوسف . فكأنّما ضرب قلبي بسِكّين ! فقلت : والله لو أُعْطِيتُ مُلْكَ مصرَ ما سِرْتُ إليها ، فلقد قاسيت بالإسكندرية من المَشَاقّ ما لا أنساه . فقال عمي لنور الدين : لا بد من مسيره معي ، فتَرْسُمَ لَهُ . فأمرني نور الدّين وأنا أستقيله ، وانقضى المجلس . ثمّ قَالَ نور الدّين : لا بُدَّ من مسيرك مَعَ عمّك . فشكوْتُ الضّائقة ، فأعطاني ما تجهَّزتُ بِهِ ، وكأنّما أُساقُ إلى الموت . وكان نور الدّين مَهِيبًا مَخُوفًا مَعَ ليِنه ورحمته ، فسِرْتُ معه ، فلما تُوفّي أعطاني اللَّه من المُلْك ما كنت أتوقعه . رجعنا إلى ذكر مسير أسد الدّين : فجمع الجيوش وسار إلى دمشق ، وعرض الْجَيْش ، ثمّ سار إلى مصر في جيش عرمرم ، فقيل : كانوا سبعين ألف فارس وراجل . فتقهقر الفرنج لمجيئه ، ودخل القاهرة فِي ربيع الآخر ، وجلس فِي الدَّسْت ، وخلع عَلَيْهِ العاضد خِلَع السَّلْطنة ، وولّاه وزارته ، وهذه نسخة العهد : " من عَبْد اللَّه أَبِي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن يوسف العاضد لدين اللَّه أمير المؤمنين إلى السّيّد الأجلّ ، الملك المنصور ، سلطان الجيوش ، وليّ الأئمة ، مجير الأمة ، أسد الدّين ، هادي دُعاة المؤمنين ، أَبِي الحارث شيركوه العاضدي ، عضد الله به الدين ، وأمتع ببقائه أمير المؤمنين ، وأدام قدرته وأعلى كلمته ، سلام عليك ؛ فإنا نحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ ، ونسأله أن يُصلّي عَلَى مُحَمَّدٍ سيّد المرسلين وعلى آله الطّاهرين والأئمَّة المَهْدِيّين . . . " ثمّ أتْبع ذَلِكَ بخطبتين بليغتين ، وأنّه ولّاه الوزارة ، وفوَّض إِلَيْهِ تدبير الدّولة . وكتب هُوَ فِي أعلى المنشور بخطّه : " هذا عهدٌ لم يُعهَد لوزير بِمِثْلِهِ ، فتقلد أمانةً رآك أميرُ المؤمنين أهلًا لحملها ، والحجَّة عليك عند اللَّه بما أوضحه لك من مراشد سُبُله ، فخُذْ كتاب أمير المؤمنين بقوَّة ، واسحبْ ذَيْل الفخار بأن اعْتَزَّتْ بك بنو النُّبوَّة ، واتّخذ للفوز سبيلًا ، ( وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كفيلا ) . وكان هذا قبل مقتل شاور ؛ وهو أنّ أسد الدين لما دخل القاهرة قام شاور