تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
- سنة ستين وخمسمائة 328 - أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن هشام ، أبو العباس بن الحطيئة اللخمي الفاسي المقرئ الناسخ . [ المتوفى : 560 ه - ] شيخ إمام صالح ، كبير القدر ، مقرئ بارع مجوّد من أعلام المقرئين ، نسخ الكثير بالأجرة ، وكان مليح الخطّ ، جيّد الضَّبْط . ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس ، وحجّ ودخل الشَّام ولقي الكبار ، ثُمَّ استوطن مصر بجامع راشدة خارج الفُسْطاط ، وكان لأهل مصر فِيهِ اعتقاد كبير لا مزيد عليه . قرأت بخط أبي الطاهر ابن الأنْماطيّ : سَمِعت شيخنا أَبَا الْحَسَن شجاعًا المدلجيّ ، وكان من خيار عَبّاد اللَّه ، يقول : كان شيخنا ابن الحُطَيْئة شديدًا فِي دين اللَّه ، فظًّا غليظًا على أعداء اللَّه ، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدُّعاة مع عِظم سلطنته ونفوذ أمره ، فما يحتشمه ولا يُكرمه ، ويقول : أحمق النّاس فِي مسألة كذا الرّوافض ، خالفوا الكتاب والسُّنَّة وكفروا بالله . وكنت عنده يَوْمًا فِي مسجده بشُرَف مصر ، وقد حضر بعض وزراء المصريين ، أظنه ابن عَبَّاس ، فاستسقى فِي مجلسه ، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضَّة ، فَلَمّا رآه ابن الحُطَيْئة وضع يده على فؤاده ، وصرخ صرخةً ملأت المسجد وقال : واحرها على كبِدي ، أتَشربُ فِي مجلس يُقْرأ فِيه حَدِيثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آنية الفضَّة ؟ لا والله لا تفعل . وطرد الغلام ، فخرج ، ثُمَّ طلب كوزًا ، فجاء بكوز قد تثلم فشرب ، واستحيى من الشَّيْخ ، فرأيته والله كَمَا قال اللَّه تعالى : " يتجرعه ولا يكاد يسيغه " . أتى رَجُل إلى شيخنا ابن الحُطيْئة بِمِئْزَر ، وحلف بالطلاق ثلاثًا لا بد أن يقبله . فوبّخه على ذلك وقال : عَلِّقْه على ذاك الوَتَد ، قال لنا شجاع وغيره : فلم يزل على الوتد حتى أكله العث وتساقط . وكان ينسخ بالأجرة ، ولا يقبل لأحدٍ قَطّ هدية . وكان له على الجزية فِي الشهر ثلاثة دنانير ، ولقد عرض عليه غيرُ واحدٍ من الأمراء أنّ يزيد جامكِيَّته فما قَبِل . وكان له من الموقع فِي قلوبهم ، مع كَثرة ما يهينهم ما لم يكن لأحد سواه ،
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 166 | الذهبي / بشار عوّاد معروف