تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ديوانه ، سوى ما يتْبعها ، وكانوا يصّلون كلُّهم خلْفَ إمامٍ واحد . قال : وكان هُوَ يصّلي الُّصبْح مُبْكِرًا ، ثُمَّ يركب ويقف عند باب خيمته ، وبين يديه مناد يقول بصوتٍ عالٍ : الاستعانة بالله ، والتوكّل عليه . فينتظم حوله الكبراء على خيلهم فيدعو ويؤمّنون ، ثُمَّ يأخذ فِي قراءة حزبٍ من القرآن ، وهم يقرؤون معه بصوتٍ واحدٍ يسرون ، فإذا فرغ أمسك عنان فرسه ، فيدعو ويؤمّنون ، ثُمَّ يلحق أولئك الأعيان ، ويُلقَّبون بالطَّلَبَة والحُفّاظ لا بالأمراء والقُوّاد ، إلى عساكرهم ، ويبقى وحده وحوله أُلُوفٌ من عبيده السُّود رَجّالةً بالرّماح والدُّرَق . وكان إذا مرّ على قومٍ ٍسلم ودعا لهم فيؤمِّنون ، وكان فصيحا بالعربيَّة ، حَسَن العبارة . قال : وكان فِي جُوده بالمال كالسيل ، وفي حبه لحُسْن الثّناء كالعاشق ، مجلسه مجلسَ وقار وهيبة ، مع طلاقة الوجه . انعمرت البلاد فِي أيّامه ، وما لبس قَطّ إلا الصُّوف طُول عُمره ، وما كان فِي مجلسه حصير ، بل مفروشٌ بالحَصْباء ، وله سجّادة من الخُوص تحته خاصَّة . وأمّا الأندلس فاختلّت أحوالها اختلالًا بيّنًا أوجب تخاذل المرابطين وَميلهم إلى الراحة ، فهانوا على النّاس ، واجترأ عليهم الفرنج ، وقام بكل مدينة بالأندلس رئيس منها ، فاستبدّ بالأمر ، وأخرج مَن عنده مِن المرابطين . وكادت الأندلس تعود إلى مثل سيرتها بعد الأربعمائة عند زوال دولة بني أمية . فأما بلاد إفراغة فاستولى عليها صاحب أرغن لعنه اللَّه ، ثُمَّ أخذ سَرَقُسْطَة ونواحيها ، فلا قوَّة إلا بالله . وأمّا أهل شرق الأندلس بَلَنْسية ومُرْسِية ، فاتّفقوا على تقديم الزَّاهد عَبْد الرَّحْمَن بْن عِياض ، بَلَغَني عن غير واحدٍ أنّه كان مُجاب الدّعوة ، بكَّاءً ، رقيقا ، فإذا ركب للحرب لا يقوم له أحدٌ . كان الفرنج يعدّونه بمائة فارس ، فحمى اللَّه بابن عِياض تلك النّاحية مدَّة إلى أنّ تُوُفّي رحمه اللَّه ، ولا أتحقّق تاريخ وفاته ، فقام بعده خادمُه مُحَمَّد بْن سَعْد وهو خليفته على النّاس ، فاستمرَّت أيّامه إلى أنّ مات سنة ثمانٍ وستّين وخمس مائة . وأمّا أهل المَرِيَّة فأخرجوا عَنْهُمْ أيضًا المرابطين ، وندبوا للأمر عليهم الأمير أَبَا عَبْد اللَّه بْن ميمون الدّانيّ ، فأبى عليهم ، وقال : إنّما وظيفتي البحر وبه عُرفت . فقدَّموا عليهم عبد الله بن محمد