يتحدّثون بمصر أنّ الحافظ كان قد دخل على الملك العادل ، فلمّا رآه قام له ، فلمّا كان اليوم الثّاني إذا الأمراء قد جاؤوا إلى الإمام الحافظ إِلَى مصْر ، مثل سركس ، وأُزْكش ، فقالوا : آمنّا بكراماتك يا حافظ . وذكروا أنّ العادل قال : ما خفتُ مِن أحدٍ ما خفتُ من هَذَا الرجل . فقلنا : أيّها الملك ، هَذَا رجلٌ فقيه ، أيش خفتَ منه ؟ قال : لمّا دخل ما خُيّل إليّ إلّا أَنَّه سَبُع يريد أن يأكلني . فقلنا : هَذِهِ كرامة للحافظ .
قال الضّياء : شاهدتُ بخط الحافظ قال : والملك العادل اجتمعت به ، وما رَأَيْت منه إلّا الجميل ، فأَقبل عليّ وأكرمني ، وقام لي والتزمني ، ودعوتُ له . ثُمَّ قلت : عندنا قُصُور فهو الّذي يوجب التّقصير . فقال : ما عندك لا تقصير ولا قُصُور . وذُكر أمرُ السُّنَّة فقال : ما عندك شيءٌ تعابُ به فِي أمور الدّين ولا الدّنيا ، ولا بُد للنّاس من حاسِدين . وبلغني عَنْهُ بعد ذلك أنّه ذُكر عنده العِلماء فقال : ما رأيتُ بالشّام ولا مصر مثلَ فلان ، دخل عليَّ فَخُيّل إليَّ أنّه أسد قد دخل عليَّ ، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب .
قال الضّياء : وكان المبتدعة قد وغروا صدر العادل على الحافظ ، وتكلّموا فِيهِ عنده . وكان بعضهم يقول : إنه ربما قتله إذا دخل عليه . فسمعتُ بعضَهم أنّ بعض المبتدعة أرسل إِلَى العادل يبذل فِي قتْل الحافظ خمسة آلاف دينار .
وسمعتُ الشّيخ أبا بكر بن أحمد الطحان ، قال : وكان فِي دولة الأفضل عليّ جعلوا الملاهي عند دَرَج جَيْرون ، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا منها . ثُمَّ جاء فصعِد على المِنبر يقرأ الحديث ، فجاء إليه رسول القاضي يطلبه حتّى يُناظره فِي الدّفّ والشّبابة فقال الحافظ : ذاك عندي حرام . وقال : لا أمشي إليه ، إنْ كان له حاجة فيجيء هو . ثم تكلَّم على المِنْبر ، فعاد الرَّسُول فقال : لا بُدّ من مجيئك قد بطلت هَذِهِ الأشياء على السّلطان . فقال الحافظ : ضربَ اللَّهُ رقبتَه ورقبة السّلطان . فمضى الرَّسُول ، وخِفْنا من فتنة ، فَمَا جاء أحدٌ بعد ذلك .
سمعت محمود بْن سلامة الحرّانّي بإصبهان قال : كان الحافظ بإصبهان فيصطفّ النّاس فِي السّوق ينظرون إليه . ولو أقام بإصبهان مدَّةً وأراد أن يملكها
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1209
مساهمون: الذهبي
ص١٢٠٩