تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1056

مساهمون:

ص١٠٥٦
رباح وقد هرب أهلها ، فدخلها وجعل كنيستها مسجدًا ، واستولى على ما حول طُلَيطُلة من الحصون ، وردّ إِلَى إشبيلية . ثُمَّ قصد الرومَ من إشبيلية فِي سنة اثنتين وتسعين ، فنزل على مدينة طليطلة بجيوشه ، فقطع أشجارها ، وأنكى فِي الروم نكايةً بيّنة ورجع . ثم عاد في المرة الثالثة ، وتوغَّل فِي بلاد الروم ، ووصل إِلَى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين ، ورجع ، فأرسل الأذفنش يطلب المهادنة ، فهادنه عشر سنين ، وعبر بعد هَذَا إِلَى مَرّاكُش فِي سنة أربعٍ وتسعين . قال : وبلغني عن غير واحدٍ أنه صرَّح للموحّدين بالرحلة إِلَى المشرق ، وجعل يذكر لهم البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبِدَع ويقول : نَحْنُ إن شاء اللَّه مُطهِّروها . ولم يزل هَذَا عزْمُه إِلَى أن مات فِي صدر سنة خمس . وكان فِي جميع أيّامه مؤثرًا للعدْل بحسب طاقته ، وبما يقتضيه إقليمه والأمَّة الّتي هُوَ فيها . وكان يتولّى الإمامة بنفسه فِي الصَّلَوات الخمس أشهُرًا إِلَى أن أبطأ يومًا عن العصر حتّى كادت تفوت ، فخرج وأوسعهم لَوْمًا وقال : ما أرى صلاتكم إلّا لنا ، وإلّا فَمَا منعكم أن تقدّموا رجلًا ؟ فقد قدم أصحابُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عوف حين دخل وقت الصلاة ، وهو غائب ، أما لكم أُسْوَة ؟ فكان ذلك سببًا لقطْعه الإمامة . وكان يقعد للنّاس عامَّةً لا يُحجَب عَنْهُ أحد ، حتّى اخْتَصَم إليه رجلان فِي نصف درهم ، فقضي بينهما وأمر بضربهما قليلًا ، وقال : أما كان فِي البلد حُكَّام قد نُصِبوا لهذا . ثُمَّ بعد هَذَا بقي يقعد فِي أيّامٍ مخصوصة . واستعمل على القضاء أَبَا القاسم بن بقي ، وشرط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حُكمه فِي جميع القضايا وهو من ورائه ستْر . وكان يدخل إليه أُمناء الأسواق فِي الشّهر مرَّتين ، فيسألهم عن أسواقهم ، وأسعارهم ، وحُكامهم . وكان إذا وفد عليه أهلُ بلدٍ سألهم عن وُلاتهم وقُضاتهم ، فإذا أثْنَوا خيرًا قال : اعلموا أنكم مسؤولون عن هَذِهِ الشّهادة يوم القيامة . ورُبّما تلا : " يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ " .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1056 | الذهبي / بشار عوّاد معروف