من فَرْسَخ ، لكنّ عرضها قليل بالنّسبة . ثُمَّ سار بعد أن تهيَّأت فنزل مَرّاكُش .
وَفِي أوّل ملكه ، وذلك فِي سنة ثمانين ، خرج عليه صاحب ميورقة الملك المعروف بابن غانية ، وهو عليّ بْن إِسْحَاق بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن غانية ، فسار فِي البحر بجيوشه ، وقصد مدينة بِجاية ، فملكها وأخرج مَن بها من الموحّدين فِي شعبان مِن السّنة . وهذا أوّل اختلالٍ وَقَعَ فِي دولة الموحّدين .
وأقام ابن غانية ببِجاية سبعة أيّام ، وصلّى فيها الجمعة ، وأقام الخُطبة للإمام النّاصر لدين اللَّه العبّاسيّ ، وكان خطيبَه يومئذٍ الْإِمَام أبو مُحَمَّد عَبْد الحقّ الأزْديّ مصنِّف الأحكام ، فأحنق ذلك المنصورَ أَبَا يوسف ، ورام قتْلَ عَبْد الحقّ ، فعصمه اللَّه وتوفّاه قريبًا .
ثُمَّ سار ابن غانية بعد أن أسّس أموره ببِجاية ، ونازل قلعة بني حمّاد فملكها ، وملك تلك النّواحي ، فتجهز المنصور لحربه ، وسار إليه بجيوشه ، فتقهقر ابن غانية ، وقصد بلاد الجريد ، فلمّا وصل المنصور إِلَى بِجّاية تلقّاه أهلها ، فصفح عَنْهُمْ ، وجهّز جيشًا مع ابن عمّه يعقوب بْن عُمَر ، ونزل هُوَ تونس ، فالتقى يعقوب وابن غانية ، فانهزم الموحّدون انهزامًا مُنْكَرًا ، وتبِعَهم جيش ابن غانية من العرب والبربر يقتلونهم فِي كلّ وجهٍ ، وهلك كثيرٌ منهم عَطَشًا ، ورجع من سَلِم إِلَى تونس . فلمَّ المنصور شعْثهم ، ثُمَّ سار بنفسه ، وعمل مع ابن غانية مصافًّا ، فانكسر أصحاب ابن غانية ، وثبت هُوَ ، وبين إِلَى أن أُثخن جراحًا ، ففرّ بنفسه متماسكًا ، ومات فِي خيمة أَعرابيَّة . ثُمَّ إنّ جُنْدَه قدّموا عليهم أخاه يحيى ، ولحِقوا بالصّحراء فكانوا بها مع تلك العُربان إِلَى أن رجع المنصور إِلَى مَرّاكُش .
وانتقض أَهْل قَفْصَة فِي هَذِهِ المدَّة ، ودعوا لبني غانية ، فنزل عليها المنصور ، فحاصرها أشدّ الحصار ، وافتتحها عَنْوةً ، وقتل أهلها قتلًا ذريعًا . فَقِيل : إنّه ذبح أكثرهم صبْرًا ، وهدم أسوارها ، ورجع إِلَى المغرب .
وأمّا يحيى بْن غانية فإنّه بعث أخاه أبا محمد عَبْد الله إِلَى مَيُورقة فاستقلّ بها ، إِلَى أن دخلها عليه الموحدون قبل الستمائة . وبقي يحيى بإفريقية يظهر مرَّة ويخمد أخرى ، وله أخبارٌ يطول شرحها .
وَفِي غيبة المنصور عن مَرّاكُش طمع عمّاه فِي الأمر ، وهما سُلَيْمَان وعمر ، فأسرع المنصور ولم يتمّ لهما ما راماه ، فتلقياه وترجلا له ، فقبض
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1053
مساهمون: الذهبي
ص١٠٥٣