تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1058

مساهمون:

ص١٠٥٨
السّيّد الْإِمَام أَبِي يوسف يعقوب ، ولقد كَانَت الدولة بسيادته مجمّلة ، والمحاسنُ والفضائل فِي أيّامه مكمّلة ، يقصده العُلماء لفضله ، والأغنياء لعدله ، والفقراء لبذْله ، والغُزاة لكثرة جهاده ، والصلحاء والعامَّة لتكثير سواده وزيادة إمداده ، والزُّهّاد لإرادته وحُسْن اعتقاده . كما قال فِيهِ بعض الشعراء : أهْلٌ لأن يُسْعَى إليه ويُرْتجي . . . ويُزار من أقصى البلاد على الوجَا ملكٌ غدا بالمَكْرُمات مقلَّدًا . . . وموشَّحًا ومختمًا ومتوجًا عمرت مقامات الملوك بذِكرهِ . . . وتعطّرت منه الرّياح تأرُّجَا وجد الوجود وقد دجا فأضاءه . . . ورآه في الكرب العظام ففرَّجا ولمّا قدِمْتُ عليه أكرم مقدمي ، وأعذب فِي مشارعه مَوْردي ، وأنجح فِي حُسْن الإقبال والقبول مقصدي ، وقرَّر لي الرُّتبة والرَّاتب ، وعيَّن أوقات الدّخول إِلَى مجلسه بغير مانع ولا حاجب . وكانت أكثر مجالسة المرتبة بحضور العلماء والفُضَلاء ، يفتتح فِي ذلك بقراءة القرآن ، ثُمَّ يقرأ بين يديه قدر ورقتين أو ثلاث من الأحاديث النّبويَّة . وربّما وقع البحث فِي معانيها ، ثُمَّ يختم المجلس بالدّعاء ، فيدعو هُوَ . وكذا كان يدعو عند نزوله من الركوب . ثُمَّ ينزل فيدخل قصره . والّذي أعلمه مِن حاله أنّه كان يُجِيد حِفْظ القرآن ، وكان يحفظ متون الأحاديث ، ويتكلَّم فِي الفقه والأحكام كلامًا بليغًا ، ويُنَاظر ويُباحث . وكان فُقهاء الوقت يرجعون إليه فِي الفتاوى والمُشكلات وله فتاوٍ مجموعة . وكانوا ينسبونه إِلَى مذهب الظّاهر والحُكم بالنّصوص . وكان فصيح العبارة ، مَهِيبًا ، ملحوظ الإشارة ، مع تمام الخِلْقة وحُسْن الصّورة وطلاقه البِشْر ، لا يُرى منه اكفهرار ، ولا له عن مجالِسِه إعراض ولا ازوِرار . يدخل عليه الدّاخل فيراه بزِيّ الزّهّاد والعلماء ، وعليه جلالة الملوك . وقد صنَّف كتاب التّرغيب فِي الأحاديث الّتي فِي العبادات ، فَمَنْ فتاويه : حضانة الولد للأمّ ثُمَّ للأب ثُمَّ للجَّدة . اليمين على المنكِر ولا ترد على المُدَّعي بحال ، مَن نكل عن اليمين حُكم عليه بما نُكِل عَنْهُ ، الشُّفْعه لا تنقطع إلّا بتصريحٍ من الّذي يجب له إسقاطها ، مَن ادَّعى العَدم وأشكل أمره ، خُيِّر طالبه بين أن يخلى سبيلَه ، وبين أن يحبسَه وينفق عليه . وله شِعْر جيّد ، وموشَّحات مشهورة . وبلغني أن قومًا أتوه بفيلٍ هديَّةً من بلاد السّودان ، فوصلهم ولم يقبل الفيل ، وقال : لا نريد أن