تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1054

مساهمون:

ص١٠٥٤
عليهما ، وقيّدهما فِي الحال ، فلمّا دخل مَرّاكُش قتلهما صبْرًا ، فهابه جميع القرابة وخافوه . ثمّ أظهر بعد زُهدًا وتقشُّفًا وخشونةَ عَيْشٍ وملبس ، وعظُم صيت العُبَّاد والصالحين فِي زمانه ، وكذلك أَهْل الحديث ، وارتفعت مراتبهم عنده ، فكان يسألهم الدعاء . وانقطع فِي أيّامه عِلم الفروع ، وخاف منه الفقهاء ، وأمر بأحراق كتب المذهب بعد أن يجرّد ما فيها من الحديث ، فأحرق منها جملة فِي سائر بلاده ، كالمدونة ، وكتاب ابن يونس ، ونوادر ابن أبي زيد ، والتهذيب للبراذعي ، والواضحة لابن حبيب . قال محيي الدّين عَبْد الواحد بْن عليّ المَرّاكُشي فِي كتاب المعجب له : ولقد كنت بفاس ، فشهدت يؤتى بالأحمال منها فتوضع ويُطلق فيها النّار . قال : وتقدَّم إِلَى الناس بترك الفقه والاشتغال بالرأي والخوض فِيهِ ، وتوعّد على ذلك ، وأمَر مَن عنده مِن المحدِّثين بجمع أحاديث من المصنَّفات العشرة وهي : الموطأ ، والكتب الخمسة ، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة ، ومسند البزار ، وسنن الدارقطني ، وسُنَن البَيْهقيُّ فِي الصّلاة وما يتعلق بها ، على نحو الأحاديث الّتي جمعها ابن تومرت فِي الطّهارة . فجمعوا ذلك ، فكان يُمليه بنفسه على النّاس ، ويأخذهم بحفظه . وانتشر هَذَا المجموع فِي جميع المغرب وحفظه خلْق . وكان يجعل لمن حفظه عطاء وخِلعة . وكان قصْده - فِي الجملة - مَحْو مذهب مالك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وإزالتَه من المغرب . وحَمَلَ النّاسَ على الظّاهر من القرآن والسُّنَّة . وهذا المقصد بعينه كان مقصد أَبِيهِ وجدّه ، إلّا أنهما لم يُظهراه ، وأظهره هُوَ . أخبرني غير واحدٍ ممّن لقي الحافظ أبا بكر ابن الجد أنّه أخبرهم قال : دخلت على أمير المؤمنين أَبِي يعقوب يوسف أوّل دخلةٍ دخلتُها عليه ، فوجدت بين يديه كتاب ابن يُونُس ، فقال لي : يا أَبَا بَكْر ، أَنَا أنظر فِي هَذِهِ الآراء المتشعّبة الّتي أُحدِثت فِي دِين اللَّه . أرأيت يا أَبَا بَكْر المسألة فيها أربعة أقوال ، وخمسة أقوال ، أو أكثر ، فِي أيّ هَذِهِ الأقوال الحقّ ؟ وأيّها يجب أن يأخذ به المقلِّد ؟ فافتتحت أبيّن له ، فقال لي ، وقطع كلامي :