من فقهاء طُلَيْطلة تنصَّر ، ويُعرف بابن الخيّاط ، فكان إذا عُيِّر قال : { إِنَّكَ لا تَهْدِي من أحببت } ، والكتاب :
" من الإمبراطور ذي الملّتين الملك أدفونش بن شانجة إلى المعتمد بالله ، سدّد الله آراءه ، وبصّره مقاصد الرشاد ، قد أبصرت تَزَلْزُل أقطار طُلَيْطُلة وحصارها في سالف هذه السّنين ، فأسلمتم إخوانكم ، وعطّلتم بالدِّعَة زمانكم ، والحَذر من أيقظ بالَهَ قبل الوقوع في الحبالة . ولولا عهدٍ سَلَفَ بيننا نحفظ ذِمامه نهض العزم ، ولكن الإنذار يقطع الأعذار ، ولا يعجل إلا من يخاف الفوت فيما يرومه ، وقد حملنا الرسالة إليك السيد البرهانس ، وعنده من التسديد الذي يلقى به أمثالك ، والعقل الذي يدبّر به بلادك ورجالك ، ما أوجب استنابته فيما يدق ويجلّ " .
فلمّا قدم الرسول أحضر المعتمد الأكابر ، وقرئ الكتاب ، فبكى أبو عبد الله بن عبد البَر وقال : قد أبصرنا ببصائرنا أن مآل هذه الأحوال إلى هذا ، وأن مسالمة اللّعين قوّة بلاده ، فلو تضافرنا لم نصبح في التّلاف تحت ذلّ الخلاف ، وما بَقِي إلّا الرجوع إلى الله والجهاد . وأما ابن زيدون وابن لَبُون فقالا : الرأي مهادنته ومسالمته . فجنح المعتمد إلى الحرب ، وإلى استمداد ملك البربر ، فقال جماعة : نخاف عليك من استمداده . فقال : رعْي الْجِمال خيرٌ من رعي الخنازير .
ثمّ أخذ وكتب جواب أدفونش بخطِّهِ ، ونصّه :
الذّلُّ تأباه الكرامُ ودِيننا . . . لك ما ندين به من البأساءِ
سمناك سلمًا ما أردت وبعد ذا . . . نغزوك في الإصباح والإمساءِ
الله أعلى من صليبك فادرع . . . لكتيبة خبطتك في الهيجاء
سوداء غابت شمسها في غَيْمها . . . فجرت مدامُعها بفَيْض دماءِ
ما بيننا إلّا النزال وفتية . . . قدحت زِناد الصّبر في الغماءِ
من الملك المنصور بفضل الله المعتمد على الله محمد ابن المعتضد بالله إلى الطّاغية الباغية أدفونش الّذي لقّب نفسه ملك الملوك ، وتسمّى بذي الملَّتَيْن . سلام على من اتّبع الهُدى ، فأول ما نبدأ به من دعواه أنه ذو المِلَّتين والمسلمون أحقّ بهذا الاسم ؛ لأنّ الذي نملكه من نصارى البلاد وعظيم
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 318
مساهمون: الذهبي
ص٣١٨