وآلت إلى أخذ ثياب الناس في الطرق ، وغلقت الْأسواق ، ووقفت المعايش ، وبعد أيام اجتمع للسُّنة عددٌ يفوق الْإِحصاء ، وعبروا إلى دار الخلافة وملَأوا الشّوارع ، واخترقوا الدهاليز ، وزاد اللغط ، فقيل لهم : سنبحث عن هذا . فهاج أهل الكرخ ووقع القتال ، وقُتل جماعة منهم واحدٌ هاشمي ، ونُهب مشهد باب التِّبن ونبشت عدّة قبور وأحرقوا ، مثل : العوني ، والناشئ ، والْجُذوعي ، وطرحوا النار في المقابر والتُّرب ، وجرى على أهل الكرخ خزيٌّ عظيم ، وقُتل منهم جماعة ، فصاروا إلى خان الفقهاء الحنفيين ، فأخذوا ما وجدوا ، وأحرقوا الخان ، وقتلوا مُدرِّس الحنفيّة أبا سعد السرخسيّ ، وكبسوا دور الفقهاء ، فاستدعي أبو محمد ابن النسويّ وأُمر بالعبور فقال : قد جرى ما لم يجرِ مثله ، فإن عبر معي الوزيرُ عبرت . فقويت يده ، وأظهر أهل الكرخ الحزن ، وقعدوا في الْأسواق للعزاء على المقتولين . فقال الوزير : إن واخذنا الكل خرب البلد ، والَأولى التغاضي . فلما كان في ربيع الْآخر خُطب بجامع براثا مأوى الشّيعة ، وأُسقط من الْأذان " حي على خير العمل " ، ودقّ الخطيب المنبر بالسيف ، وذكر في خطبته العبّاس .
وفي ذي الحجة كبس العيّارون دار أبي محمد ابن النسوي وجرحوه جراحات عدة .
وفيها أخذ السلطان طغرلبك أصبهان في المحرّم ، فجعلها دار ملكه ، ونقل خزائنه من الري إليها ، وكان قد عمّر الريّ عمارة جيدة .
وفيها كبس منصور بن الحسين بالغز الْأهواز ، وقتل بها خلقًا من الديلم والَأتراك والعامّة ، وأحرقت ونهبت .
وفيها كانت وقعة هائلة بين المغاربة والمصريين بإفريقيّة ، وقُتل فيها من المغاربة ثلاثون ألفًا .
- سنة أربع وأربعين وأربعمائة
في ذي القعدة عادت الفتن ببغداد ، وأحرقت جماعة دكاكين ، وكتبوا ، أعني أهل الكرخ ، على مساجدهم : " محمد وعلي خير البشر " ، وأذّنوا بحيّ على خير العمل ، فتجمع أهل القلائين وحملوا حملةً على أهل الكرخ ، فهرب
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 609
مساهمون: الذهبي
ص٦٠٩