تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
التَّعجُّب ، وحذَّر والدي من شغْلي بغير العلم . وكان أيّ مسألة قالها لي أتصورها خيرًا منه ، حتّى قرأت ظواهر المنطق عليه ، وأمّا دقائقه فلم يكن عنده منها خبر . ثمّ أخذتُ أقرأ الكُتُب على نفسي ، وأطالع الشُّروح حتى أحكمت علم المنطق ، وكذلك " كتاب إقليدس " ، فقرأتُ من أوّله إلى خمسة أشكال أو ستة عليه ، ثمّ تولّيت بنفسي حلَّ باقيه وانتقلت إلى " المجَسْطيّ " ، ولمّا فَرَغْتُ من مقدِّماته وانتهيت إلى الأشكال الهندسيّة قال لي الناتلي : حلها وحدك ، ثم اعرضها علي لأبيَّن لك . فكم من شكلٍ ما عَرَفَه الرّجلُ إلّا وقتَ عَرَضْتُهُ عليه وفهّمته إيّاه . ثمّ سافر ، وأخذت في الطّبيعي والإلهيّ ، فصارت الأبواب تنفتح عليّ ، ورغبتُ في الطّبّ وبرَّزْتُ فيه في مُدَيْدَة حتّى بدأ الأطبّاء يقرأون عليّ ، وتعهَّدت المَرْضَى ، فانفتح عليَّ من أبواب المعالجات النّفسيّة من التّجربة ما لا يوصف ، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأُناظر فيه ، وعمري ستّ عشرة سنة . ثمّ أَعَدْتُ قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة ، ولازَمْتُ العلم سنةً ونصفًا ، وفي هذه المدّة ما نمتُ ليلةً واحدةً بطولها ، ولا اشتغلت في النّهار بغيره ، وجمعتُ بين يديّ ظُهُورًا ، فكلّ حُجَّة أنظر فيها أُثْبتُ مقدّمات قياسيّة ، ورتبتُها في تلك الظُّهُور ، ثمّ نظرتُ فيما عساها تُنْتج ، وراعيت شروط مقدّماته ، حتّى تحقّق لي حقيقة الحقّ في تلك المسألة . وكلّما كنت أتحيَّر في مسألة ، أو لم أظفَرْ بالحدّ الأوْسَط في قياسٍ ، تردَّدت إلى الجامع ، وصلَّيتُ وابتهلت إلى مبدِع الكلِّ ، حتّى فتح لي المُنْغَلِق منه ، وتيسَّر المتعسِّر ، وكنتُ أرجع باللّيل إلى دارِي وأشتغل بالكتابة والقراءة ، فمهما غلبني النّوم أو شعرت بضعف عدلْت إلى شرْب قَدَحٍ من الشراب ريثما تعود إليّ قُوَّتي ، ثمّ أرجع إلى القراءة ، ومهما غلبني أدنى نومٌ أحلُمُ بتلك المسائل بأعيانها . حتّى إنّ كثيرًا من المسائل اتّضح لي وجوهُها في المنام ، وكذلك حتّى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنسانيّ ، وكلّما علِمْتُه في ذلك الوقت فهو كما علمته ولم أزْدَد فيه إلى اليوم . حتّى أحْكمتُ علم المنطق والطّبيعيّ والرّياضيّ . ثمّ عدلت إلى الإلهيّ ، وقرأت كتاب " ما بعد الطّبيعة " فما كنتُ أفهم ما