تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
المقتدر فأخبره فأنكر إنكارًا شديدًا . فبعث ابنُ الفُرات إلى ابنه يشتمه ويسبّه ، وبعثَ إلى عليّ بْن عيسى بمالٍ وحمله مُكَرَّمًا إلى داره . فسأل الخروج إلى مكّة . فأذنوا لَهُ ، فخرج إليها . ونكب ابن الفُرات أبا عليّ بْن مُقْلَة ، وكان كاتبًا بين يدي حامد بْن العبّاس . وقدَمَ مؤنس بغداد ، فالتقاه الملأ ، فأنكر ما جرى عَلَى حامد وابن عيسى فعزَّ عَلَى ابن الفُرات ، فاجتمع بالمقتدر وأغراه بمؤنس ، وقال : قد عزمَ عَلَى التحكم عَلَى الخلافة . فلمّا دخل مؤنس عَلَى المقتدر قَالَ لَهُ : ما شيء أحبّ إليّ من إقامتك ببغداد ، ولكن قد قلت الأموال بالعراق ، وعسكرك يحتاجون إلى الأرزاق ، ومال مصر والشّام كثير . وأرى أنّ تقيم بالرقة ، والأموال تُحمل إليك من الجهات ، فأخرج . وعلم مؤنس أن ذا من تدبير ابن الفُرات ، وكان بينهما عداوة ، فخرج بعد أيام مستوحشًا . فتفرّغ ابن الفُرات في نكبة نصر الحاجب ، وشفيع المقتدري ، وكثر عليهما عند المقتدر ، فلم يمكنه منهما ، فقال : إنّ نصرًا ضيَّع عليك في شأن ابن أَبِي السّاج خمسة آلاف ألف دينار ، ولو كانت باقية لأرضيت بها الْجُنْد . فكان المقتدر يشره إلى المال مرّةً ، ويراعي خاطر والدته لمدافعتها عَنْ نصر مرةً ، وقالت لَهُ : قد أبعدَ ابن الفُرات مؤنسًا وهو سيفك ، ويريد أنّ ينكب حاجبك ليتمكّن منك ، فيجازيك عَلَى حسب ما عاملته من إزالة نعمته وهتْك حُرَمهِ ، فَبِمَن تستعين عَلَى ابن الفُرات والمحسّن مَعَ ما قد ظهر من شرهما واستحلالهما الدّماء إنّ خَلَعاك ؟ واتفق أن وُجِدَ في دار المقتدر أعجمي دخل مَعَ الصناع ، فأخذ وقرر فلم يقر بشيء ، ولم يزد عَلَى غَيّ دائم ، فصُلب وأحرق . فقيل : إنّ ابن الفُرات قَالَ لنَصْر بحضرة المقتدر : ما أحسبك ترضى لنفسك أنّ يجري في دارك ما جرى في دار أمير المؤمنين وأنت حاجبه ، وما تمّ هذا عَلَى أحدٍ من الخلفاء . وكثَّر علي نَصْر ، وجرت بينهما منافسة . وفي شَعْبان أمَرَ المقتدر بردّ المواريث إلى ما صيّرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام .