تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 877

مساهمون:

ص٨٧٧
وأخرج المسألة ، فأخذ القاضي الكتاب وقرأ المسألة ، فقال لعبد الملك ما ساءه من القول ، وحرج عليه ، وقال : تُفْتينا بالكذِب والخطأ ، وتُخالفُ أصحابَك بالهوى ؟ لولا البُقْيَا عليك لعاقبتك . ثُمَّ قاموا . قَالَ عبد الأعلى : فلما خرجت خطرت عَلَى دار ابن رستم الحاجب ، فرأيتُ عَبْد الملك خارجا من عنده وفي وجهه البشر . فقلت : ما لي لا أدخلُ عَلَى ابن رستم ؟ فدخلت ، فلم ينتظر جلوسي وقال : يا مسكين من غرّك ، أو من أدخلك في مثل هذا تعارض مثل عَبْد الملك بْن حبيب وتكذّبه ؟ فقلتُ : أصلحكَ اللَّه ، إنّما سألني القاضي عَنْ شيء ، فأجبته بِما عندي . ثُمَّ خرجتُ من عنده . فإذا بعبد الملك قد شكا إليه الخبر وقال له : إنه عمل على صنيعته وأتى برجل لَيْسَ من أهل العلم والرواية ، فأجلس معي وكذبني ، وأوقفني موقفًا عجيبًا . فقال لَهُ ابن رستم : اكتب بطاقة تجلي الأمر وارفعها إلى الأمير . فكتبَ يصف القصة ، ويَشنّع . فأمر الأمير أن يبعث في القاضي . فبعث فيه ، فخرجت إليه وصية الأمير يقول له : من أمرك أن تشاور عَبْد الأعلى . وكان عَبْد الملك قد بنى بطاقته عَلَى أن يحيى بْن يحيى أمره بذلك . فقال القاضي : ما أمرني أحد بمشاورته ، ولكنه كَانَ يختلفُ إليّ ، وكنت أعرفه من أهل العلم والخير ، مَعَ الحركة والفَهْم والحج والرحلة ، فلمْ أرَ نفسي فِي سَعَة من تَرْك مشاورة مثله . وسأل الأمير وزراءه عَنْ عَبْد الأعلى ، فأثنوا عَلَيْهِ ووصفوا عِلْمَه وولاءه . وكان لَهُ ولاء . قال عبد الأعلى : فصحبت يوما عيسى ابن الشهيد ، فقال لي : قد رفعت عليك رقعة رديئة لكن الله دفع شرها . قال ابن الفرضي : كان فقيها ، نحويا ، شاعرا ، عروضيًا ، أخباريا نسَّابة ، طويل اللسان متصرفا في فُنُون العلم ، رَوَى عَنْهُ : بقيُّ بن مخلد ، ومحمد بن وضاح ، ويوسف بن يحيى المغامي ، ومطرِّف بن قيس ، وخلق ، وآخر من مات من أصحابه يوسف المغامي . وقد سكن بلد البيرة من الأندلس مدَّة ، ثم استقدمه الأمير عبد الرحمن بن الحكم ، فرتبه في الفتوى بقرطبة ، وقُرِّرَ مع يحيى بن يحيى في المشاورة والنظر ، فلما تُوفِّي يحيى ، تفرد عبد الملك برئاسة العلم بالأندلس .