تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 876

مساهمون:

ص٨٧٦
وقال أحمد بن محمد بن عبد البر التاريخي : هُوَ أولُ من أظهر الحديث بالأندلس ، وكان لا يميز صحيحه من سقيمه ، ولا يفهم طُرُقه ، ويُصَحِّف أسماء الرجال ، ويحتجّ بالمناكير . فكان أهلُ زمانه لا يرضون عَنْهُ ، وينسبونه إلى الكذب . قال أحمد بن محمد بن عبد البر : وكان الذي بين عبد الملك بن حبيب وبين يحيى بن يحيى سيئا ، وذلك أنه كان كثير المخالفة ليحيى . وكان قد لقي أصبغ بِمصر ، فأكثر عَنْهُ فكان إذا اجتمعَ مَعَ يحيى بن يحيى ، وسعيد بن حسان ، ونظرائهما عند الأمير عبد الرحمن وقضاته فسئلوا ، قال يحيى بن يحيى بِما عنده ، وكان أسنّ القوم وأَوْلاهُم بالتقدم - فيدفع عليه عبد الملك بن حبيب بأنه سمعَ أصبغ بْن الفَرَج يَقُولُ كذا . فكان يحيى يغمه بمخالفته لَهُ . فلمّا كَانَ فِي بعض الأيام جمعهم القاضي في الجامع ، فسألهم عَنْ مسألة ، فأفتى فيها يحيى بْن يحيى ، وسعيد بْن حسان بالرواية ، فخالفهما عَبْد الملك ، وذكر خلافهما روايةً عَنْ أصبغ . وكان عَبْد الأعلى بْن وهب من أحداث أهل زمانه ، وكان قد حجّ وأدركَ أصبغ بْن الفَرَج بِمصر ، وروى عَنْهُ . فدخل يومًا بأثر شورى القاضي فحدثنا أحمد بن خالد عن ابن وضاح عن عبد الأعلى ، قال : دخلت يوما على سعيد بن حسان ، فقال لي : أَبَا وهْب ، ما تقولُ فِي مسألة كذا ؟ - للمسألة التي سألَهم فيها القاضي - هَلْ تذكر لأصبغ بن الفرج فيها شيئا ؟ فقلت : نعم ، أصبغ يقول فيها كذا ، وكذا فأفتى بموافقة يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان . فقال لي سَعِيد : أنظر ما تَقُولُ ، أنت عَلَى يقين من هذا ؟ قلت : نعم . قال : فأتني بكتابك ، فخرجتُ مسرعًا ، ثُمَّ ندمتُ ودخل عليّ الشك . ثُمَّ أتيتُ داري ، فأخرجتُ الكتاب من قرطاس كما رويته عَنْ أصبغ ، فسُررتُ ، ومضيتُ إلى سَعِيد بالكتاب . فقال : تمضي بِهِ إلى أَبِي محمد . فمضيتُ بِهِ إلى يحيى بْن يحيى ، فأعلمته ولم أدر ما القصة . فاجتمعا بالقاضي وقالا : إن عَبْد الملك يُخالفنا بالكذب . والمسألة التي خالفنا فيها عندك . هنا رجلٌ قد حجّ وأدرك أصبغ ، وروى عَنْهُ هذه المسألة ، كقولنا عَلَى خلاف ما ادّعاهُ عَبْد الملك ، فارْدَعْه وكُفَّهُ . فجمَعهم القاضي ثانيًا ، وتكلّموا ، فقال عَبْد الملك : قد أعلمتُك ما يقولُ فيها أَصْبَغ . فبَدرَ عَبْد الأعلى بْن وَهْب فقال : يكذب عَلَى أصبغ . أَنَا رويت هذه المسألة عَنْهُ عَلَى ما قَالَ هذان ، وهذا كتابي .