تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
لأبي عُبَيْدة : اقرأ كتابك حرفًا حرفًا ، وضع يدك عَلَى موضع موضع . فقال : لست ببيطار ، إنّما هذا شيء أخذْتُهُ وسمعته من العرب . فقال لي : قم فضع يدك على موضع موضع من الفرس ، فقمتُ فحسرتُ عَنْ ذراعي وساقي ، ثم وثبت فأخذت بأذُن الفَرَس ، ثم وضعت يدي عَلَى ناصيته ، فجعلت أقبض منه بشيء شيء وأقول : هذا اسمه كذا ، وأُنْشِدُ فيه ، حتّى بلغت حافره ، فأمر لي بالفَرَس . فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عُبَيدة ركبت الفَرَسَ وأتيته . وروى ابن دُرَيْد ، عَنْ شيخٍ لَهُ ، قَالَ : كَانَ الأصمعيّ بخيلًا ، وكان يجمع أحاديث البُخَلاء . وقال محمد بْن سَلّام الْجُمَحيّ : كنّا مَعَ أَبِي عُبَيدة في جنازة ، ونحن بقرب دار الأصمعيّ ، فارتفعت ضجّة من دار الأصمعيّ ، فبادر النّاس ليعرفوا ذَلكَ ، فقال أبو عُبَيدة : إنّما يفعلون هذا عند الخُبْز ، كذا يفعلون إذا فقدوا رغيفًا . وقال الأصمعيّ : بلغت ما بلغت بالعِلم ، ونلت ما نلت بالمُلَح . وقد قَالَ لَهُ أعرابيّ رآه يكتب كلَّ شيء : ما أنت إلّا الحَفَظَة تكتب لَفْظ اللَّفظة . قلت : ومع كَثْرة طلبه واجتهاده كَانَ من أذكياء بني آدم وحفّاظهم . قَالَ أبو العبّاس ثعلب ، عَنْ أحمد بْن عُمَر النَّحْويّ قَالَ : لما قدِم الحَسَن بْن سهل العراقَ قَالَ : أحبّ أن أجمع قوما من أهل الأدب فيجرون بحضرتي في ذاك ، فحضر أبو عُبَيدة مَعْمَر بْن المُثّنَّى ، والأصمعيّ ، ونصر بْن عليّ الْجَهْضميّ ، وحضرتُ معهم . فابتدأ الحَسَن فنظر في رِقاع كانت بين يديه ووقّع عليها ، وكانت خمسين رقعة . ثم أمر فدفعت إلى الخازن . ثم أقبل علينا فقال : قد فعلنا خيرًا ، ونظرنا في بعض ما نرجو نفْعَه من أمور النّاس والرّعيّة ، فنأخذ الآن فيما نحتاج إِلَيْهِ . فأفضنا في ذِكر الحفاظ ، فذكرنا الزهري ، وقتادة ، ومررنا ، فالتفت أبو عبيدة فقال : ما الغَرَضُ أيُّها الأمير في ذِكر ما مضى ؟ وإنّما تعتمد في قولنا عَلَى حكايةٍ عن قوم ، وتترك ما تحضره ها هنا من يَقُولُ : إنّه ما قرأ كتابًا قطّ فاحتاج إلى أن يعود فيه ، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه ؟ فالتفت الأصمعي فقال : إنّما يريدني بهذا القول أيّها الأمير . والأمرُ في ذَلكَ عَلَى ما حكى ، وأنا أُقرِّب عَلَيْهِ . قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرِّقاع ، وأنا أعيد ما
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 385 | الذهبي / بشار عوّاد معروف