ضعوا لي منبرا . ثم صعد ، فأول حديث : حُدِّثْنَا عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رفع الحديث وقال : " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إِلَى النَّارِ " .
ثم حَدَّث بنحوٍ من ثلاثين حديثًا ثم نَزَل فقال لي : كيف رأيت يا يحيى مجلسنا ، قلت : أجلّ مجلس ، تفقّه الخاصّة والعامّة ، فقال : ما رأيتُ لكم حلاوة . إنّما المجلس لأصحاب الخُلْقان والمَحَابر .
وقال السّرّاج : حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال : تقدّم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون فقال : يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به ، فقال : ما تحفظ في باب كذا ؟ فلم يذكر فيه شيئًا ، قال : فما زال المأمون يقول : حدثنا هشيم ، وحدثنا يحيى ، وحدثنا حَجّاج ، حتّى ذكر الباب ، ثم سأله عن باب آخر ، فلم يذكر فيه شيئًا ، فقال المأمون : حدثنا فلان ، وحدثنا فلان ، إلى أن قال لأصحابه : يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيامٍ ثم يقول أنا من أصحاب الحديث ، أعطوه ثلاثة دراهم .
ومع هذا فكان المأمون مسرفًا في الكَرَم ، جوادًا مُمَدَّحًا ، جاء عنه أنه فرق في ساعة ستَّةً وعشرين ألف ألف درهم .
وكان يشرب النّبيذ . وقيل : ، بل كان يشرب الخمر ، فيُحرَّر ذلك .
وجاء إنّه أجاز أَعْرابيًا مرّةً لكونه مدحه بثلاثين ألف دينار .
وأما ذكاؤه فمُتَوَقِّد . روى مسروق بن عبد الرحمن الكِنْديّ : حدّثني محمد بن المنذر الكِنْديّ جار عبد الله بن إدريس قال : حجّ الرشيد ، فدخل الكوفة وطلب المُحدِّثين . فلم يتخلّف إلّا عبد الله بن إدريس ، وعيسى بن يونس ، فبعث إليهما الأمين والمأمون . فحدَّثهما ابن إدريس بمائة حديث ، فقال المأمون : يا عمّ ، أتأذن أن أُعيدها من حفظي ؟ قال : افعل ، فأعادها ، فَعَجِب من حفظه ، ومضيا إلى عيسى فحدّثهما ، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم ،
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 353
مساهمون: الذهبي
ص٣٥٣