وفيها دخل الموفَّق مدينة الخبيث عَنْوَة . وكان الخبيث عند قُتِلَ بَهْبُوذ أَخَذَ تَرِكَتَه وأمواله ، وضربَ أقاربه بالسِّياط ، ففسدت نيّات خواصّه لذلك ، فعبر الموفَّق المدينة ونادى بالأمان فتسارع إليه أصحاب بَهْبُوذ ، فأحسنَ إليهم ، ثُمَّ دخل المدينة بعد حربٍ شديد ، وقصدَ الدّار الّتي سماها الخبيث جامعًا ، فقاتل أصحابه دونه أشدّ قتالٍ ، حَتَّى قُتِلَ منهم خلق ، ثُمَّ هدم أصحاب الموفَّق فِي الدّار ، وهو يبذل الأموال فِي الْجُنْد لينصحوا ، فهدموها وأتوا بالمِنْبَر الَّذِي للخبيث ، ففرح وخرج إِلَى مدينته بعد أن نهب خزائن الخبيث ، وأحرق الأسواق والدُّور . وذلك فِي جمادى الأولى . وَرُمِيَ يومئذٍ الموفَّق بسهمٍ فجرحه ، ثمّ إنه أصبح على القتال ، فزاد عليه الألم بالحركة ، وخيف عليه ، وخافوا قوّة الخبيث عليهم ، وأشاروا عليه بالرحيل إِلَى بغداد ، فأبى وتصبَّر حَتَّى عوفي وعاد لحرب الخبيث ، وقد رمّ الخبيث ما وهى من مدينته .
وَفِي نصف جُمادى الأولى شخص المعتمد من سرَّ من رَأَى يريد اللّحاق بابن طولون لأمرٍ تقرَّر بينهما .
قَالَ أَحْمَد بْن يوسف الكاتب : خرج أَحْمَد بْن طولون من مصر ، وحمل معه ابنه الْعَبَّاس معتَقَلًا ، فقدِم دمشق ، وخرج المعتمد من سامُراء على وجه التّنزُّه ، وقصْدُه دمشق لاتّفاقٍ جرى بينه وبين ابنُ طولون ، فَلَمَّا بلغ ذلك الموفَّق كتب إِلَى إِسْحَاق بْن كُنْداج يقول : مَتَى استولى ابنُ طولون على المعتمد لم يبق منكم مَعْشَر الموالي اثنان فاجتهد فِي ردّه . وكان ابنُ كُنْداج فِي نصِّيبين فِي أربعة آلاف ، فصار إِلَى المَوْصِل ، فوجد حرّاقات المعتمد وقُوّاده بموضعٍ يُقَالُ له الدَّواليب ، فوكَّل بهم هناك ، وسار فلقي المعتمد بين المَوْصِل والحديثة ، فخرج إليه نحرير الخادم ، وسلَّم عليه واستأذن فأُذِنَ له ، فدخل ابنُ كنْداج ومعه ابنه محمد وجماعة يسيرة ، فسلَّم ووقف ، وقَالَ : يا إِسْحَاق لِمَ منعت الحَشَم من الدّخول إِلَى المَوْصِل ؟ وكان بين يديه أَحْمَد بْن خاقان وخطارمِش ، فقال : يا أمير المؤمنين أخوك فِي وجه العدوّ ، وأنت تخرج عن مستقرّك ودار مُلْكك ، ومتى صحّ عنده هَذَا رجع عن مقاومة الخارجيّ ، فيغلب عدوّك على دار آبائك . وهذا كتاب أخيك يأمرنا بردّك . فقال : أنت غلامي أو غلامه ؟ فقال : كلُّنا غلمانك ما
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 252
مساهمون: الذهبي
ص٢٥٢