تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأوراق — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ابن يوسف . قال : غنىّ مغنّ في مجلس أحمد بن يوسف ، ولم يك محسنا ، فلم ينصتوا له وتحدّثوا مع غنائه فغضب . فقال احمد : أنت عافاك اللَّه تحمل الآذان ثقلا ، والقلوب مللا ، والأعين قباحة ، والأنف نتنا ، ثم تقول : اسمعوا مني ، وأنصتوا إلى ! هذا إذا كانت أفهامنا مقفلة ، وحواسنا مبهمة ، وأذهاننا صدئة ! رضيت بالعفو منا ، وإلا قمت مذموما عنا ؟ ! . وحدّثنى محمد بن العباس أيضا ، قال : حدّثنى محمد بن عبد اللَّه ، قال خاصم أحمد رجلا بين يدي المأمون ، فكان قلب المأمون على أحمد ( 1 ) فقال وقد عرف ذلك : يا أمير المؤمنين ، إنه يستملى من عينيك ما يلقاني به ، ويستبين بحركتك ما تجنه لي . وبلوغ إرادتك أحبّ اليّ من بلوغ أملى . ولذة اجابتك أحب اليّ من لذّة ظفرى . وقد تركت له ما نازعني فيه . وسلمت إليه ما طالبنى به . فشكر المأمون ذلك له ومن كلامه : لقد أحلك اللَّه من الشرف أعلى ذروته ، وبلَّغك من الفضل أبعد غايته . فالآمال إليك مصروفه ، والأعناق إليك معطوفه . عندك تنتهي الهمم السامية ، وعليك تقف الظنون الحسنة . وبك تثنى الخناصر ، وتستفتح أغلاق المطالب . ولا يستريث النجح من رجاك ، ولا تعروه النوائب في ذراك ( 2 ) ومن كلامه : لك جدّ تنجده همتك ، وإنعام تفوه به نعمتك . فهي تحسر الناظر إليها ، وتحير الواقف عليها . حتى كأنها تناجيه بحسن العقبي ، وتوحي اليه ببعد المدى ، وللَّه در نابغة بني ذبيان في قوله :
مجلَّتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
هامش
( 1 ) لا باس بذكر هذا الخبر عن كتاب الصناعتين لأنه يزيد رواية الصولي وضوحا : وقال أحمد بن يوسف وقد شتمه رجل بين يدي المأمون : رأيته يستملى ما يلقاني به من عينيك ( 2 ) تقدم ذكر هذا الخبر في صفحة 197 مع اختلاف في اللفظ