جَصٍّ فما حرَّكها . ولما انتهى إلى مكان كِسْرى أخذ يقرأ : { كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } { وَزُرُوعٍ } الآية .
قالوا : وأتمّ سعد الصلاة يومَ دخلها ، وذلك أنَّه أراد المقام بها ، وكانت أول جُمعة جُمِعت بالعراق ، وذلك في صفر سنة ست عشرة .
قَالَ الطبري : قسَّم سعدٌ الفيء بعدما خمسه ، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفًا ، وكلّ الجيش كانوا فرسانًا .
وقسّم سعدٌ دور المدائن بين النَّاس وأُوطِنوها ، وجمع سعدٌ الْخُمْسَ وأدخل فيه كل شيءٍ من ثياب كِسْرى وحُلِيِّه وسيفه ، وَقَالَ للمُسْلِمين : هل لكم أن تطيب أنفُسُكم عَنْ أربعة أخماس هذا القِطْف فنبعثَ به إلى عُمَر ، فيضعه حيث يرى ويقع من أهل المدينة موقعًا ؟ قالوا : نعم ، فبعثه على هيئته ، وكان ستين ذراعًا في ستين ذراعا بساطًا واحدًا مقدار جَرِيب ، فيه طُرُق كالصُّورَ ، وفصوص كالأنهار ، وخلال ذلك كالدّرّ ، وفي حافاته كالأرض المزروعة ، والأرضُ كالمُبْقِلَة بالنبات في الربيع من الحرير على قصبات الذهب ، ونوّاره بالذهب والفضة ونحوه ، فقطّعه عُمَر وقسّمه بين النَّاس ، فأصاب عليًّا قطعةٌ منه فباعها بعشرين ألفًا .
واستولى المسلمون في ثلاثة أعوامٍ على كرسيّ مملكة كِسْرى ، وعلى كرسي مملكة قيصر ، وعلي أُمَّيْ بلادهما . وغنم المسلمون غنائم لم يُسمع بمثلها قطّ من الذهب والجوهر والحرير والرقيق والمدائن والقصور ، فسبحان الله العظيم الفتّاح .
وكان لكِسْرى وقيْصر ومن قبلهما من الملوك في دولتهم دهرٌ طويل ؛ فأمّا الأكاسرة والفرس وهم المجوس فملكوا العراق والعجم نحوًا من خمسمائة سنة ، فأوّل ملوكهم دارا ، وطال عُمرُهُ ، فيقال : إنّه بقي في المُلْك مائتي سنة ، وعدّة ملوكهم خمسة وعشرون نفسًا ، منهم امرأتان ، وكان آخر القوم يزدجرد الذي هلك في زمن عثمان . وممّن ملك منهم ذو الأكتاف سابور ، عقِد له بالأمر وهو في بطن أمّه ، لأن أباه مات وهذا حمْل ، فَقَالَ الكهان : هذا يملك الأرض ، فوُضِع التّاجُ على بطن الأمّ ، وكُتِب منه إلى
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 93
مساهمون: الذهبي
ص٩٣