مَا أَصَابَهُ ، شَدَّةٌ كَشَدَّاتِكُمْ فِي مَوَاطِنِكُمُ الْمَعْرُوفَةِ ، وَحَمَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ ، فَوَثَبَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ طَعْنًا وَضَرْبًا ، فَنَزَلَ شَبِيبٌ وَقَوْمُهُ ، فَصَعِدَ الْحَجَّاجُ عَلَى مَسْجِدِ شَبِيبٍ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ رَجُلا ، وَقَالَ : إِذَا دَنَوْا فَارْشِقُوهُمْ بِالنَّبْلِ ، فَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ النَّهَارِ أَشَدَّ قِتَالٍ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ ، ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ قَالَ لِلْحَجَّاجِ : ائْذَنْ لِي فِي قِتَالِهِمْ ، فَإِنِّي مَوْتُورٌ وَمِمَّنْ لا يُتَّهَمُ فِي نَصِيحَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَخَرَجَ فِي عِصَابَةٍ وَدَارَ مِنْ وَرَائِهِمْ ، فَقُتِلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ ، وَغَزَالَةُ أَمْرَأَةُ شَبِيبٍ ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ فِي عَسْكَرِهِ . فَوَثَبَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى خُيُولِهِمْ ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ : احْمِلُوا عليهم فقد انرعبوا ، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ ، وَتَأَخَّرَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ قومه ، فذكر من كان مع شَبِيبٌ أَنَّهُ جَعَلَ يَنْعَسُ وَيَخْفُقُ بِرَأْسِهِ وَخَلْفَهُ الطَّلَبُ ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، الْتَفِتْ فَانْظُرْ مَنْ خَلْفَكَ ، فَالْتَفَتَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ثُمَّ أَكَبَّ يَخْفِقُ ، ثُمَّ قُلْتُ : إِنَّهُمْ قَدْ دَنَوْا ، فَالْتَفَتَ ثُمَّ أَقْبَلَ يَخْفِقُ ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى خَيْلِهِ أَنْ دَعُوهُ فِي حَرْقِ النَّارِ ، فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا ، وَمَرَّ أَصْحَابُ شَبِيبٍ بِعَامِلٍ لِلْحَجَّاجِ عَلَى بَلَدٍ بِالسَّوَادِ فَقَتَلُوهُ ، ثُمَّ أَتَوْا بِالْمَالِ عَلَى دَابَّةٍ فَسَبَّهُمْ شَبِيبٌ عَلَى مَجِيئِهِمْ بِالْمَالِ ، وَقَالَ : اشْتَغَلْتُمْ بِالدُّنْيَا ، ثُمَّ رَمَى بِالْمَالِ فِي الْفُرَاتِ ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الأَهْوَازِ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَخَرَجَ لِقِتَالِهِ وَسَأَلَ مُحَمَّدٌ الْمُبَارَزَةَ ، فَبَارَزَهُ شَبِيبٌ وَقَتَلَهُ ، وَمَضَى إِلَى كِرْمَانَ فَأَقَامَ شَهْرَيْنِ وَرَجَعَ إِلَى الأَهْوَازِ فَنَدَبَ لَهُ الْحَجَّاجِ مُقَدَّمِي جَيْشِ الشَّامِ : سُفْيَانَ بْنَ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ ، وَحَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيَّ ، فَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ دُجَيْلٍ ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ ، ثُمَّ ذَهَبَ شَبِيبٌ ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى جِسْرِ دُجَيْلٍ قَطَعَ الْجِسْرَ ، فَوَقَعَ شَبِيبٌ وَغَرِقَ ، وَقِيلَ : نَفَرَ به فرسه فألقاه في الماء وعليه الحديد ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَغَرْقًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } فَأَلْقَاهُ دُجَيْلٌ إِلَى سَاحِلِهِ مَيِّتًا ، فَحُمِلَ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى الْحَجَّاجِ ، فَأَمَرَ بِهِ فَشَقَّ بَطْنَهُ ، وَأَخْرَجَ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 772
مساهمون: الذهبي
ص٧٧٢