إِلَى الْعَبَّاسِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّهُ صَنَمٌ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ، فَقُلْتُ : جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ شَرًّا ، تُقَاتِلُ ابْنَ أَخِيكَ مَعَ عَدُوِّهِ ؟ قَالَ : مَا فَعَلَ ، أَقُتِلَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعَزُّ لَهُ وَأَنْصَرُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : مَا تُرِيدُ إِلَيَّ ؟ قُلْتُ : إِسَارٌ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِكَ . قَالَ : لَيْسَتْ بِأَوَّلِ صِلَتِهِ . فَأَسَرْتُهُ .
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عباس قال : فبعثت قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ . وَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا . فَنَزَلَ فِيهِ " إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ " . قَالَ الْعَبَّاسُ : فَأَعْطَانِي اللَّهُ مَكَانَ الْعِشْرِينَ أُوقِيَّةً عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ ، مَعَ مَا أَرْجُو مِنَ الْمَغْفِرَةِ .
وَقَالَ أَزْهَرُ السَّمَّانُ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ؛ وبعضهم يرسله ؛ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ . إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ ، وَاسْتُشْهِدَ مُنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ . وَكَانَ آخَرُ السَّبْعِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ .
هَذَا الْحَدِيثُ دَاخِلٌ فِي مُعْجِزَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَخْبَارِهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ الْعَبْدَرِيُّ قَالَ : لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأُسَارَى فَرَّقَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ : اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا . قَالَ نُبَيْهُ : فَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ عَنْ أَبِي عَزِيزٍ ، قَالَ : كُنْتُ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا . فَإِنْ كَانَ لَيُقَدَّمُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ فَمَا تَقَعُ بِيَدِ أَحَدِهِمْ كَسْرَةٌ إِلَّا رَمَى بِهَا إِلَى أَسِيرِهِ ، وَيَأْكُلُونَ التَّمْرَ . فَكُنْتُ أَسْتَحِي فَآخُذُ الْكَسْرَةَ فَأَرْمِي بِهَا إِلَى الَّذِي رَمَى بِهَا إِلَيَّ ، فَيَرْمِي بِهَا إِلَيَّ .
أَبُو عَزِيزٍ هُوَ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، يُقَالُ : إِنَّهُ أَسْلَمَ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 73
مساهمون: الذهبي
ص٧٣