وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ لِيَقْتُلُوهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابن خالتك ليخفروك ، فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا مُتَخَوِّفًا ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ عَنَّا شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا ، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدًا إِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يسمع منهما ، فوقف عليهما متبسما . ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ : يَا أَبَا أُمَامَةَ ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ مِنِّي هَذَا ، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ ! وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ لِمُصْعَبٍ : أَيْ مُصْعَبُ جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءِهِ ، إِنْ يَتْبَعْكَ لَا يَتَخَلَّفْ عَنْكَ مِنْهُمُ اثْنَانِ ، فَقَالَ : أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعُ ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ ، قَالَ : أَنْصَفْتَ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ وَاللَّهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ . ثُمَّ فَعَلَ كَمَا عمل أسيد ، وأسلم ، وأخذ حربته ، وأقبل عامدا إِلَى نَادِي قَوْمِهِ ، وَمَعَهُ أُسَيْدٌ ، فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ قَالُوا : نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ سَعْدٌ إِلَيْكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ ، فَقَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْرِفُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا : سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً قَالَ : فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً ، وَرَجَعَ مُصْعَبٌ وَأَسْعَدُ إِلَى مَنْزِلِهِمَا ، وَلَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأنصار إلاّ وفيها رجال ونساء مسلمون ، إلاّ مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَخَطْمَةَ ، وَوَائِلٍ ، وَوَاقِفٍ ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ وَهُمْ مِنَ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الأَسْلَتِ ، وَهُوَ صَيْفِيٌّ ، وَكَانَ شَاعِرًا لَهُمْ وَقَائِدًا ، يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَضَتْ أُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 655
مساهمون: الذهبي
ص٦٥٥