وَقَّاصٍ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : حَدِّثْنَا عَنْ أَبِيكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَا ، بَلْ حَدِّثْنَا أَنْتَ عَنْ أَبِيكَ ، قَالَ : لَوْ سَأَلْتَنِي قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَكَ لَفَعَلْتُ ، فَأَنْشَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ يَهْوِي بِنَا ، كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلَاهُ مَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَدَاهُ مَعَ رِجْلَيْهِ ، حَتَّى مَرَرْنَا بِرَجُلٍ طُوَالٍ سَبِطٍ آدَمٍ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَزْدِ شَنُوءَةَ ، وَهُوَ يَقُولُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَقُولُ : أَكْرَمْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ ، فَدَفَعْنَا إِلَيْهِ ، فَسَلَّمْنَا ، فَرَدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا أَحْمَدُ . قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ . قَالَ : ثُمَّ انْدَفَعْنَا ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : مُوسَى ، قُلْتُ : وَمَنْ يُعَاتِبُ ؟ قَالَ : يُعَاتِبُ رَبَّهُ فِيكَ ، قُلْتُ : وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى رَبِّهِ ! قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّتَهُ . قَالَ : ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى مَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ كَأَنَّ ثَمَرَهَا السِّرْجُ وَتَحْتَهَا شَيْخٌ وَعِيَالُهُ ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ : اعْمِدْ إِلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : ابْنُكَ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ ، يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَاقٍ رَبَّكَ اللَّيْلَةَ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ حَاجَتُكَ أَوْ جُلُّهَا فِي أُمَّتِكَ فَافْعَلْ . قَالَ : ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، فَنَزَلْتُ فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ النَّبِيِّينَ مَا بَيْنَ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ ، ثُمَّ أُتِيتُ بِكَأْسَيْنِ مِنْ عَسَلٍ وَلَبَنٍ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ مَنْكِبِي وَقَالَ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَأَمَمْتُهُمْ ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَأَقْبَلْنَا . . . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ صَحَّ عَنْ ثَابِتٍ ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِذَا مُوسَى يُصَلِّي ، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ ، وَعِيسَى قَالَ : فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ " . وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَقِيَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ ، مِنْ أَنَّهُ رَأَى هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ فِي السَّمَاوَاتِ ، وَأَنَّهُ رَاجَعَ مُوسَى ؟ .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 635
مساهمون: الذهبي
ص٦٣٥