مُحْتَاجًا إلَيْهِ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَهَادَتَهُنَّ مَقْبُولَةٌ كَشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ عَدَمَ قَبُولِهَا فِي الْعَمْدِ وَاضِحٌ لِقُوَّتِهِ ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَهُوَ آيِلٌ إلَى الْمَالِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْ الْيَمِينِ ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ : لَمْ تُقْبَلْ فِي حَالَةِ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُنَّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَهُوَ قَادِحٌ فِي عَدَالَتِهِنَّ بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ وَاغْتُفِرَتْ فِيمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلَادَةِ لِلضَّرُورَةِ تَأَمَّلْ .
( ص ) وَالشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ ، وَلَا قَرِيبٍ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَفُرْقَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا ، وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يَشْهَدُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ وَلَا تَجْرِيحُهُمْ ( ش ) يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ الشَّاهِدَ يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ يَشْهَدَ فِي قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ لَا فِي مَالٍ ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ حُرًّا ، وَاشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْحُرِّيَّةِ لِمَا فِي الرَّقِيقِ مِنْ شَائِبَةِ الْكُفْرِ فَالتَّمَحُّضُ أَوْلَى ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا أَيْ وَأَنْ يَبْلُغَ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا ، وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُرِيدُ ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ ذَكَرٌ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الصِّبْيَانِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِنَاثِ أَيْضًا ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُطْلَقَ الْعَدَاوَةِ مُضِرَّةٌ أَيْ دُنْيَوِيَّةً أَوْ دِينِيَّةً ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مُضِرَّةٌ وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُ الْعَمَّ وَالْخَالَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ أَكِيدَةً كَمَا فِي الْبَالِغِينَ كَمَا ارْتَضَاهُ الْجِيزِيُّ ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الشُّهُودِ خِلَافٌ بَلْ يَكُونُونَ مُتَّفِقِينَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ كَشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ ، وَالْآخَرُ مِثْلُهُ
وَأَمَّا لَوْ قَالَ : الْآخَرَ : إنَّ غَيْرَهُ قَتَلَهُ فَلَا يُقْبَلُ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ هَذَيْنِ قَتَلَاهُ ، وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا : بَلْ أَنْتُمَا قَتَلْتُمَاهُ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَوْ شَهِدَ صَبِيَّانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَقَالَ الْآخَرُ : إنَّمَا أَصَابَتْهُ دَابَّةٌ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ حَقًّا أَوْلَى وَالصَّحِيحُ سُقُوطُهُمَا ، وَخِلَافٌ اسْمُ مَصْدَرٍ أَطْلَقَهُ وَأَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ وَلَوْ عَبَّرَ بِاخْتِلَافٍ كَانَ أَحْسَنَ ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ كَفَى ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَهُمْ فُرْقَةٌ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ مَا لَمْ تَشْهَدْ الْعُدُولُ عَلَيْهِمْ بِمَا شَهِدُوا بِهِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَحْضُرَ الصِّبْيَانَ كَبِيرٌ فِي مَعْرَكَتِهِمْ ، وَأَطْلَقَ فِي الْكَبِيرِ لِيَعُمَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الْعَدْلَ وَالْفَاسِقَ وَالْحَرَّ وَالْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ
شرح
فِي غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْعُرْسِ أَيْ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُفِيدُ إلَّا إذَا كَانَ قَصْدُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَةِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي الْعُرْسِ لَا تَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ شَهَادَتِهِنَّ فِي الْوِلَادَةِ فِي غَيْرِ مَا هُنَا جَوَازُ شَهَادَتِهِنَّ فِي الْعُرْسِ فَنَصَّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ دَفْعًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ أَيْ وَهَذَا قَصْدُهُ ، وَقَوْلُهُ : لَمَّا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِاجْتِمَاعِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُ هُنَا يُفِيدُ الْأَمْرَ بِهِ ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ
( قَوْلُهُ مَقْبُولَةٌ ) أَيْ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ ) حَاصِلُ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بِشَهَادَتِهِنَّ ، وَلَا يَظْهَرُ فِي الْخَطَأِ ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى مَالٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ أَيْ مَعَ الْيَمِينِ أَوْ الشَّاهِدِ فَلَا يَظْهَرُ الْإِطْلَاقُ ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهَا إنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاجْتِمَاعَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْ الْيَمِينِ إلَّا إذَا كُنَّ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ ؛ لِأَنَّ الْعُرْسَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالِاجْتِمَاعِ فِيهِ بَلْ يُنْهَى عَنْ الِاجْتِمَاعِ فِيهِ فَالْعَدَالَةُ مَفْقُودَةٌ فِيهِنَّ ، وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي شَهَادَتِهِنَّ وَحْدَهُنَّ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ ( قَوْلُهُ : وَاغْتُفِرَتْ فِيمَا لَا يَظْهَرُ إلَخْ ) هَذَا الْكَلَامُ يُفِيدُ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِي الْوِلَادَةِ مَعَ الْقَادِحِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ هَذَا .
( قَوْلُهُ : وَالشَّاهِدُ إلَخْ ) ذِكْرُ الْأَوْصَافِ لِلشَّاهِدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَصَرَّحَ تت بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ التَّمْيِيزَ كَذَلِكَ دُونَ الْإِسْلَامِ وَالذُّكُورَةِ ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ اعْتِبَارُ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالذُّكُورَةِ وَأَقُولُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّمْيِيزَ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ : وَفُرْقَةٌ ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ لَا بِالْفَتْحِ ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ غَيْرَ الْمُقْتَرِنِ بِلَا يَمْنَعُ مِنْهُ ( قَوْلُهُ : ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْحُرِّيَّةِ إلَخْ ) أَيْ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْحُرِّيَّةِ أَفَادَ أَنَّ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ الْكُفْرِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَيْ فَأَوْلَى مَنْ كَانَ خَالِصَ الْكُفْرِ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ غَيْرَهُ ) أَيْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ ، وَلَا مَا قَرُبَ كَالتِّسْعَةِ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ أَيْ فَأَوْلَى مَا كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَصْلًا ( قَوْلُهُ : يُرِيدُ ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ ذَكَرٌ ) نُسْخَةُ الشَّارِحِ مَعَهُمْ ، وَالْمُنَاسِبُ مَعَهُنَّ ، وَقَوْلُهُ : وَهَذَا أَيْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ذَكَرٌ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمَوْضُوعِ لِلصِّبْيَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ يَشْمَلُ الْأُنْثَى ، وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُ ذَكَرٍ ضَائِعًا ( قَوْلُهُ : دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً ) أَيْ ؛ لِأَنَّ لِلصِّبْيَانِ حَالَةً غَيْرَ حَالَةِ الْكِبَارِ ( قَوْلُهُ : وَالصَّحِيحُ سُقُوطُهُمَا ) أَيْ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ضَعِيفٌ ، وَنُسْخَةُ الشَّارِحِ سُقُوطُهَا أَيْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ ( قَوْلُهُ : مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَخْ ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ : لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى الشَّهَادَةِ فَيَخْرُجُ مَا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ اثْنَيْنِ وَسَكَتَ الْبَاقِي فَيَقْتَضِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ مَعَ أَنَّهَا تَجُوزُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ : لَا اخْتِلَافَ فَمَعْنَاهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمْ فَيَصْدُقُ بِمَا إذَا سَكَتَ الْبَاقِي ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ ) أَيْ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ التَّعْلِيمِ فَلَوْ تَفَرَّقُوا ثُمَّ اجْتَمَعُوا قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ ( قَوْلُهُ : مَا لَمْ تَشْهَدْ الْعُدُولُ إلَخْ ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ ( قَوْلُهُ : وَأَطْلَقَ فِي الْكَبِيرِ ) اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا فِي الْحَطَّابِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْكَبِيرُ وَقْتَ الْقَتْلِ أَوْ الْجَرْحِ وَكَانَ عَدْلًا لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ لِلِاسْتِغْنَاءِ