الِاسْتِبْرَاءِ شَيْئًا وَسَمَّاهُ بِاسْتِفْرَاغِ الْأَخْبَثَيْنِ عَلَى حَدٍّ قَوْله تَعَالَى { لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ } [ فصلت : 28 ] إذْ هِيَ دَارُ الْخُلْدِ فَجَرَّدَ مِنْهَا دَارًا وَسَمَّاهَا بِذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْآلَةِ وَلَا لِلسَّبَبِيَّةِ كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعَانَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَعَانَ بِهِ غَيْرُ الْمُسْتَعَانِ عَلَيْهِ وَالْآلَةُ غَيْرُ الْفِعْلِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ وَهُنَا اسْتِفْرَاغُ الْأَخْبَثَيْنِ هُوَ الِاسْتِبْرَاءُ .
( ص ) وَنُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ ( ش ) يَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُسْتَنْجِي الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَلَوْ عَذْبًا وَالْحَجَرِ لِإِزَالَتِهِمَا الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ وَلِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَهُمَا فَمَدَحَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة : 222 ] وَقَالَ تَعَالَى { رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } [ التوبة : 108 ] وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ أَجْزَأَهُ وَخَالَفَ الْأَفْضَلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تُجْزِئُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَخَصَّصَ مَا وَرَدَ بِالسَّفَرِ وَعَدَمَ مَاءٍ وَقَوْلُهُ وَنُدِبَ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَإِعْدَادُ مُزِيلِهِ وَلَا مَفْهُومَ لِلْحَجَرِ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَكُلِّ يَابِسٍ طَاهِرٍ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي كَافٍ فِي الِاسْتِحْبَابِ .
( ص ) وَتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ ( ش ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَكْفِي فِيهَا الْأَحْجَارُ بَلْ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ أَمَّا فِي الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِعُذْرٍ أَوْ عَدَمِ مَا يَكْفِي غُسْلَهُ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ وَإِلَّا فَغَسْلُ الْبَدَنِ كُلِّهِ وَاجِبٌ مِنْ ذَلِكَ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ دُونَ الْحَجَرِ فِي مَنِيٍّ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ السَّلَسِ كَمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِمَرَضٍ أَوْ عَدَمِ مَاءٍ يَكْفِي غُسْلَهُ أَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ أَوْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى كَمَا يَأْتِي وَيُصَوَّرُ بِالْأَوَّلَيْنِ قَوْلُهُ وَدَمُ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ ، وَأَمَّا صَحِيحٌ وَجَبَ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ وَوَجَدَ الْمَاءَ الْكَافِيَ فَيَغْسِلُ الْجَمِيعَ وَلَوْ مَرَّةً يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ وَمَنِيُّ صَاحِبِ السَّلَسِ يَكْفِيهِ الْحَجَرُ كَالْبَوْلِ وَالْحَصَى وَالدُّودِ وَلَوْ بِبِلَّةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَأَمَّا بِغَيْرِهَا فَلَا اسْتِنْجَاءَ كَالرِّيحِ وَيُعْفَى عَنْ خَفِيفِ الْبِلَّةِ كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ .
( ص ) وَبَوْلِ مَرْأَةٍ ( ش ) يَعْنِي وَمَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ بَوْلُ الْمَرْأَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَالْخَصِيِّ لِتَعَدِّيهِ مِنْهُمَا مَخْرَجَهُ إلَى جِهَةِ الْمَقْعَدَةِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَبَوْلِ مَرْأَةٍ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إنْ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ فَيَكْفِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمَاءُ ( ص ) وَمُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا ( ش ) أَيْ وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي حَدَثٍ مُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا مِنْ بَوْلٍ
شرح
قَوْلُهُ : وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْآلَةِ إلَخْ ) أَرَادَ بِالْآلَةِ هُنَا مَا يَكُونُ حُصُولُ الْفِعْلِ بِهِ وَهُوَ آلَةٌ لَهُ وَأَرَادَ بِالسَّبَبِ هُنَا مَا يَكُونُ سَبَبًا فِي حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ آلَةً ( قَوْلُهُ : كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعَانَةِ ) مُفَادُ كَلَامِهِمْ أَنَّ بَاءَ الْآلَةِ مِنْ جُمْلَةِ بَاءِ الِاسْتِعَانَةِ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ عَذْبًا ) أَفَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ يُكْرَهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَطْعُومِ بَلْ قَالَ بَعْضٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ كَمَا لَا تُزَالُ النَّجَاسَةُ بِالطَّعَامِ ( قَوْلُهُ : لِإِزَالَتِهِمَا الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ ) أَيْ الْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُمَا يَزُولَانِ بِالْمَاءِ فَلَا دَاعِيَ إلَى الْحَجَرِ ( قَوْلُهُ : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } [ البقرة : 222 ] إلَخْ ) أَيْ مِنْ الذُّنُوبِ وَالتَّوَّابُ الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ جَدَّدَ تَوْبَةً ( قَوْلُهُ { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة : 222 ] أَيْ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَقِيلَ الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ الشِّرْكِ وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ لَمْ يُصِيبُوا الذُّنُوبَ ( قَوْلُهُ : وَقَالَ تَعَالَى ) أَيْ فِي حَقِّ أَهْلِ قُبَاءَ ( قَوْلُهُ : فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ أَجْزَأَهُ ) أَيْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلَوْ عَرِقَ الْمَحَلُّ وَأَصَابَ الثَّوْبَ فَلَا يَضُرُّ ( قَوْلُهُ : فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ ) أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْحَجَرِ آلَةً ( قَوْلُهُ : كَافٍ فِي الِاسْتِحْبَابِ ) فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّسَاوِيَ بَلْ الْمَرَاتِبُ خَمْسٌ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ ثُمَّ الْمَاءِ وَالْجَامِدِ غَيْرِهِ ثُمَّ الْمَاءِ ثُمَّ الْحَجَرِ ثُمَّ غَيْرِهِ وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَرَاتِبَ خَمْسٌ .
( قَوْلُهُ : فِي مَنِيٍّ ) ثُمَّ حَيْثُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي الْمَنِيِّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ كُلَّهُ إمَّا تَعَبُّدٌ أَوْ مُعَلَّلٌ بِقَطْعِ أَصْلِ الْمَذْيِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فِي الْمَنِيِّ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بَرَكَاتٌ الْحَطَّابُ عَنْ وَالِدِهِ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِهِ كُلِّهِ بِنِيَّةٍ ( قَوْلُهُ : أَمَّا فِي الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ ) أَيْ ، وَأَمَّا فِي بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ مِنْ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ مَا ذُكِرَ ( قَوْلُهُ : وَأَخْرَجَ ) أَيْ أَوْ مَنْ خَرَجَ مَنِيُّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ خَرَجَ مَنِيُّهُ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَرْضُهُ الْوُضُوءُ ( قَوْلُهُ : وَمَنِيُّ صَاحِبِ السَّلَسِ يَكْفِيهِ الْحَجَرُ ) أَيْ إنْ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمَاءُ وَعِبَارَةُ سَنَدٍ أَمَّا مَنِيُّ صَاحِبِ السَّلَسِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْوُضُوءَ فَكَالْبَوْلِ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ ، وَإِنْ أَوْجَبَ تَعَيَّنَ فِيهِ الْمَاءُ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يَحْتَاجُ لِغَسْلٍ أَيْضًا حَيْثُ لَازِمٌ كُلَّ يَوْمٍ نَقَضَ الْوُضُوءَ أَمْ لَا وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إنْ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ إلَخْ ( قَوْلُهُ : وَيُعْفَى عَنْ خَفِيفِ الْبِلَّةِ ) أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ لِاسْتِجْمَارِ ( قَوْلُهُ : كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ ) أَيْ فَيُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ عَرَقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
( قَوْلُهُ : وَبَوْلِ مَرْأَةٍ إلَخْ ) وَمِثْلُ بَوْلِ الْمَرْأَةِ مَنِيُّ الرَّجُلِ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غَسْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ كَبَوْلِهَا فَلَا يَكْفِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ الْبَوْلُ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ إنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَشِرُ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْأَحْجَارُ وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَوْلُ أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْغَائِطِ حُكْمُ الرَّجُلِ وَتَغْسِلُ الْمَرْأَةُ كُلَّ مَا ظَهَرَ مِنْ فَرْجِهَا حَالَ جُلُوسِهَا وَالْبِكْرُ مَا دُونَ الْعَذِرَةِ كَالْحَيْضِ وَلَا تُدْخِلُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا بَيْنَ شَفْرَتَيْهَا كَفِعْلِ اللَّاتِي لَا دِينَ لَهُمْ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ شِرَارِهِنَّ وَكَذَا يَحْرُمُ إدْخَالُ أُصْبُعٍ بِدُبُرٍ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَا يُقَالُ الْحُقْنَةُ مَكْرُوهَةٌ فَمَا الْفَرْقُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُقْنَةُ شَأْنُهَا أَنْ تَفْعَلَ التَّدَاوِيَ ( قَوْلُهُ : وَالْخَصِيِّ ) أَرَادَ بِهِ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ قُطِعَ أُنْثَيَاهُ أَوْ لَا ( قَوْلُهُ : وَمُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا ) يَغْسِلُ الْكُلَّ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلِ مَا جَاوَزَ الْمُعْتَادَ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَغْتَفِرُونَ الْيَسِيرَ مُنْفَرِدًا دُونَهُ مُجْتَمِعًا هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا أَفَادَهُ عج